Connect with us

Hi, what are you looking for?

أخبار عاجلة

د.محمد عماد صابر يكتب: هل حقاً رفُعت حالة الطوارئ عن الشعب المصري؟

د. محمد عماد صابر (@emadd302) | Twitter

بقلم/ د.محمد عماد صابر

شهدت منصات التواصل الاجتماعي المؤيدة منها لقائد الانقلاب في مصر مهرجانا هستيريا فور إعلان الجنرال السيسي عن قراره برفع حالة الطوارئ في مصر، وكعادة الطراطير والهتيفة على طول الخط، فقد رأوا في قرار السيسي انجازا عظيما يضاف إلى انجازات السيسي  الوهمية. والحقيقة التي تغيب عن الكثيرين، أن قرار السيسي برفع حالة الطوارئ لا جدوى منه مطلقا، فحالة الطوارئ وإن رفعت نظريا بقرار إلا أنها عمليا مازالت مستمرة،  بموجب حزمة من القوانين والتشريعات الصادرة عن برلمان العسكر، والتي تجعل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاعلامية..إلخ أسوأ بكثير من حالة الطوارئ.

نعم.. ، لقد أصدر السيسي قراره برفع حالة الطوارئ، بعد أن تعززت القبضة السلطوية للنظام العسكري الانقلابي، وتكريس هيمنة النظام على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية… بشكل كامل من خلال عدد من القوانين والتشريعات التي أقرها أو أصدرها برلمان العسكر، الذي شرعن له سياسة “الاستبداد والفساد والتبعية” وتكريسها بصورة أشد قمعا مقارنة بما كانت عليه الأوضاع قبل ثورة يناير، وقد تمثَّل ذلك في إصدار وتمرير سلسلة من التشريعات المعادية للحريات السياسية والعامة، التي لا هدف لها سوى التمكين للنظام العسكري لاستكمال تأميم العمل العام والسيطرة على مقدرات المشهد السياسي بشكل كامل.

نعم..فبرلمان العسكر قد صادق بدون تغيير أو تعديل يُذكر، على الأغلبية الساحقة من هذه القوانين، والتي بلغ عددها 342 قانونا، بهدف تمكين النظام من السيطرة على الأوضاع السياسية، وإخماد كل مظاهر الاحتجاج والمعارضة في الشارع المصري وتأميم المجال العام بشكل كامل.

ومن أهم تلك القوانين:

(1) قانون التظاهر: الذي أصدره الرئيس المؤقت عدلي منصور في نوفمبر 2013، وهو القانون الذي استندت إليه السلطة لمحاكمة والزج بآلاف المعارضين والنشطاء في السجون بتهمة انتهاك أحكامه التي تتضمن جملة من العقوبات المالية والسالبة للحرية؛ إذ يلغي هذا القانون عمليّا حق المواطن في التجمع والتظاهر السلميين، ويفرغ الحق في التعبير الحر والعلني عن الرأي دون تهديد أو خوف، من مضمونه، حيث تمنح المادة العاشرة منه الأجهزة الأمنية سلطة مطلقة لإلغاء أو تأجيل وتغيير مكان أية مظاهرة أو مسيرة.، ويجعل من هذه الأجهزة الخصم والحكم في الوقت نفسه.

(2) قانون “الكيانات الإرهابية”: الذي أصدره قائد الانقلاب بقرار بقانون، في فبراير 2015، باسم قانون “تنظيم قوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين”، ويعتبر هذا القانون أحد أكثر القوانين التي مررها مجلس النواب، عصفا بالحقوق والحريات، لما يتضمنه من صياغات فضفاضة تتيح للسلطة تعقب المعارضين السلميين وإنزال العقاب بأصحاب التوجهات المناوئة لسياسات وممارسات النظام. وتفرغ مواد هذا القانون النصوص الدستورية المتعلقة بالحقوق والحريات من مضمونها، كالحق في التجمع السلمي وفي تكوين الجمعيات الأهلية والأحزاب السياسية، وكذلك الحريات الصحفية وحرية التعبير عن الرأي، وفضلا عن العقوبات المغلظة التي يفرضها على المتورطين في أعمال إرهابية أو المحرضين عليها وفق عبارات فضفاضة.

كما يضع هذا القانون قيودا مشددة على عمل وسائل الإعلام حيث ينص في المادة 35، على توقيع غرامات مالية ضخمة بحق كل من “تعمد بأي وسيلة كانت نشر أو إذاعة أو عرض أو ترويج أخبار أو بيانات غير حقيقية عن أعمال إرهابية وقعت داخل البلاد أو عن العمليات المرتبطة بمكافحتها بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع”. وتتيح الصياغات الغامضة وغير المنضبطة لمواد القانون، للسلطة توجيه تهمة الإرهاب لأي من معارضيها بدون ضوابط وقواعد واضحة، وهو ما حدث بالفعل في يناير 2017، حين أدرجت السلطات المصرية ما يزيد عن ألف وخمسمئة شخص على قوائم الإرهاب وأنزلت بحقهم كافة الآثار المترتبة على ذلك وفقا لأحكام هذا القانون.

(3) تعديل قانون الجامعات: صدر به قرار جمهوري بقانون رقم 52 لسنة 2014، بجعل اختيار القيادات الجامعية بالتعيين، ليلغي بذلك أحد المكتسبات المهمة التي تحققت عقب ثورة 25 يناير، والتي تمثَّل في اختيار رؤساء الجامعات وعمداء الكليات بالانتخاب. لكن وبدلا من العودة إلى النظام الذي كان معمولا به في عهد مبارك، والذي كان ينص على حق رئيس الجمهورية في اختيار رؤساء الجامعات، الذين يقومون بدورهم باختيار عمداء الكليات، فإنه وفقا للتعديل الجديد امتدت سلطة الرئيس الحالي إلى تعيين عمداء الكليات أيضا، وهو ما منح السلطة التنفيذية السيطرة على الجامعات وبما يفقدها ما كان لديها من هامش استقلالية عن السلطة التنفيذية.

(4) تعديل قانون الحبس الاحتياطي: صدر هذا القانون في عهد الرئيس المؤقت، عدلي منصور، وأقره مجلس النواب كما هو، ويقضي بتعديل المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية، بما يتيح للقضاة تجديد أوامر الحبس الاحتياطي إلى أجل غير مسمى، للمتهمين الذين تنظر المحكمة استئنافهم أحكاما بالإعدام أو بالسجن المؤبد، أو الذين تُعاد محاكمتهم بعد أن صدرت ضدهم إحدى هاتين العقوبتين. وقبل التعديل كانت هذه المادة تنص على “ألا تتجاوز مدة الحبس الاحتياطي 6 شهور في الجرائم البسيطة (الجنح)، و18 شهرا في الجرائم الخطيرة، أو سنتين في الجرائم التي يُعاقَب عليها بالإعدام أو المؤبد.

ووفقا لهذا القانون، وُضع آلاف المتهمين رهن الحبس الاحتياطي لمدد غير محددة، بغض النظر عن خطورة الجريمة أو احتمال الهروب، كما وجد البعض أنفسهم مسجونين لسنوات قبل أن تصدر أحكام براءة بحقهم، ويخالف هذا القانون مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي نصَّ على أن يكون الاحتجاز قبل المحاكمة هو الاستثناء وليس القاعدة، وأن أي شخص يخضع للاحتجاز قبل المحاكمة يجب أن يُعرض على وجه السرعة وعلى فترات منتظمة بعد ذلك، على قاض للنظر في قانونية احتجازه، وحق هؤلاء المعتقلين في أن يُحاكموا في غضون فترة زمنية معقولة أو أن يُفرج عنهم.

(5) قانون تعيين وعزل رؤساء الأجهزة الرقابية: وافق مجلس النواب، في 17 يناير 2016، على القانون رقم 89، لسنة 2015، والذي أصدره السيسي، والخاص بإعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم. وهو ما يعرف إعلاميا بـ”قانون جنينة” في إشارة إلى أنه صدر خصيصا لتقنين الإطاحة بالمستشار هشام جنينة، الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، والذي جرى عزله من منصبه، بل وتقديمه للمحاكمة بتهمة الإضرار بالأمن القومي، عقب تصريحات أدلى بها عن حجم الفساد في مصر.

ويتعارض هذا القانون بوضوح مع أحكام الدستور الحالي الذي نص في مادته 215 على “تمتع الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية بالشخصية الاعتبارية، والاستقلال الفني والمالي والإداري، وأن يؤخذ رأيها في مشروعات القوانين، واللوائح المتعلقة بمجال عملها، كما يتعارض مع استراتيجية مكافحة الفساد الصادرة من مجلس الوزراء عام 2014، التي ذكرت صراحة أن من أهم معوقات مكافحة الفساد في مصر، افتقار أعضاء الأجهزة الرقابية إلى الحصانات الكافية للقيام بدورهم، وتبعية بعض هذه الأجهزة للسلطة التنفيذية.

(6) قانون المحاكم العسكرية: كان السيسي قد أصدر هذا القانون في 27 أكتوبر 2014، بعد ثلاثة أيام من هجوم غير مسبوق على أفراد الجيش المصري في شمال سيناء من قِبل جماعة “أنصار بيت المقدس” التي أصبحت في وقت لاحق “تنظيم ولاية سيناء” التابع لتنظيم الدولة؛ حيث قُتل في هذا الهجوم نحو 20 جنديّا على الأقل. وبموجب هذا القانون الذي سُمي بقانون “حماية المنشآت”، تم وضع جميع “المنشآت العامة والحيوية” تحت اختصاص المحاكم العسكرية على مدى العامين التاليين. وقد شملت أحكام القانون محطات وشبكات أبراج الكهرباء، وخطوط الغاز، وحقول النفط، وخطوط السكك الحديدية، وشبكات الطرق والجسور، وغيرها من المنشآت والمرافق والممتلكات العامة وما يدخل في حكمها.

كما أتاح القانون، الذي أقره مجلس النواب كما هو بدون تعديل، أتاح للنيابة العامة إحالة أي جرائم تقع في تلك الأماكن إلى نظيرتها العسكرية، وقد أصدر النائب العام، عقب صدور القانون، قرارا داخليّا يطلب من النيابة العامة إرسال أية قضية تستوفي شروط هذا القانون إلى النيابة العسكرية، بغضِّ النظر عن مرحلة التحقيق التي وصلت إليها، وبالفعل فقد أُحيل مئات المعتقلين إلى القضاء العسكري عقب صدور هذا القانون في قضايا ووقائع سابقة على سريانه، في مخالفة صريحة لمبدأ الأثر الفوري في تطبيق قانون العقوبات، والذي يقضي بأن يتم تطبيق القانون الذي كان نافذا وقت ارتكاب الجريمة، وأنه في حال صدر قانون جديد ولم يكن أصلح للمتهم فإنه يتعين تطبيق القانون الجنائي السابق على الأفعال التي وقعت قبل إلغائه بالقانون الجديد. ورغم أن هذا القانون مؤقت المدة بعامين وفرضته الظروف الأمنية التي تشهدها البلاد وفقا للرواية الرسمية، فإن القانون شكَّل انتكاسة كبرى للجهود التي بذلتها القوى المدافعة عن حقوق الإنسان لوقف إحالة المدنيين للمحاكم العسكرية، التي تمثِّل إهدارا لمعايير المحاكمة العادلة ومقومات التقاضي الشفاف.

(7) قانون تنظيم الجمعيات الأهلية: أو ما يعرف إعلاميا بـ”قانون تأميم العمل الأهلي” في مصر، وقد تمت مناقشته بشكل سري داخل إحدى اللجان البرلمانية التي يسيطر عليها “ائتلاف دعم مصر” المؤيد للسلطة، ويفرض هذا القانون، الذي أقرَّه مجلس النواب في نهاية نوفمبر 2016، بشكل عاجل ودون مناقشة تُذكر، قيودا مشدَّدة على منظمات العمل الأهلي، سواء من حيث إجراءات التأسيس أو طريقة ونوع الأنشطة التي تمارسها هذه المنظمات، أو التمويل وغيرها، بما يضعها من الناحية الفعلية تحت سيطرة الأجهزة الأمنية والحكومية، كما يتضمن عقوبات مشددة تصل للحبس لمدة خمس سنوات وغرامة مالية تصل إلى مليون جنيه بحق كل من يخالف أحكامه. ووفقا لهذا القانون، تلتزم الجمعيات الأهلية بالعمل “وفقا لخطة الدولة واحتياجاتها التنموية”، يعني عودة صريحة لقانون الجمعيات الأهلية رقم 32 لسنة 1964، والذي أُطلق عليه وقتذاك “قانون تأميم العمل الأهلي”. ويتناقض القانون الجديد، مع المادة 76 من الدستور الحالي، والتي نصَّت على حق المواطنين “في تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية على أساس ديمقراطي، وتكون لها الشخصية الاعتبارية بمجرد الإخطار وتمارس نشاطها بحرية ولا يجوز للجهات الإدارية التدخل في شؤونها. هذا القانون مثال واضح لا لبس فيه على دور مجلس النواب في تمكين سياسة الاستبداد من خلال القضاء الفعلي على حرية التنظيم التي يكفلها الدستور، وإغلاق الفضاء العام وإهدار الحريات العامة.

(8) قانون الهيئات الإعلامية: ينظِّم عمل المؤسسات الصحفية والإعلامية في مصر، وقد وافق عليه مجلس النواب في جلسته العامة يوم 14 ديسمبر 2016، بعد مناقشات شكلية، بأغلبية ثلثي أعضائه. وحسب القانون الذي يتضمن 89 مادة، يختص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بتنظيم شؤون الإعلام المسموع والمرئي والرقمي والصحافة المطبوعة والرقمية.. وغيرها. ويضم هذا المجلس هيئتين، الأولى: الهيئة الوطنية للإعلام والمعنية بوسائل الإعلام المرئي والمسموع، والثانية: الهيئة الوطنية للصحافة، وتتولى الإشراف على الصحافة المطبوعة والإلكترونية.

وهذا القانون، يكرس، سيطرة النظام وأجهزته الأمنية (السلطة التنفيذية) على الهيئات الإعلامية الجديدة؛ حيث إن عدد ممثلي الحكومة في إدارة هذه الهيئات الجديدة، أكثر من ممثلي الهيئات المستقلة؛ الأمر الذي يُفقدها استقلاليتها وقيامها بمهامها بشكل حقيقي في الرقابة على المهنة وتلبية حق الجمهور في المعرفة. كما أن هذا القانون يتناقض مع الفلسفة من وراء إصداره، والتي استهدفت تحرير الصحافة والإعلام من قبضة السلطة التنفيذية تنفيذا لنص المادة (72) من الدستور الحالي التي تنص على أن “تلتزم الدولة بضمان استقلال المؤسسات الصحفية ووسائل الإعلام المملوكة لها بما يكفل حيادها وتعبيرها عن كل الآراء والاتجاهات السياسية والفكرية والمصالح الاجتماعية، ويضمن المساواة وتكافؤ الفرص في مخاطبة الرأي العام”

كما جاء هذا القانون متزامنا مع هيمنة إعلام الصوت الواحد على المشهد الإعلامي المصري، بعد أن تمكنت السلطة من وضع يدها على وسائل الإعلام بشكل شبه كامل، سواء كانت حكومية أو مملوكة لرجال أعمال قريبين من النظام الذي لم يكتف بذلك، بل دخل سوق الإعلام بشكل مباشر عبر إطلاق وامتلاك عدد من القنوات الفضائية والمواقع الإخبارية. وهكذا..وبتطبيق هذه القوانين والتشريعات التي ليست لها سابقة تاريخية في أي دولة،  يصبح الوضع في مصر عمليا وواقعيا في حالة طوارئ مستديمة مقننة ومشرعنة بفعل هذه القوانين وإن رفعت حالة الطوارئ نظريا.

فبهذه القوانين والتشريعات يكتمل بناء جمهورية العسكر ونظام السيسي الفاشي في مصر بصورة أكثر شراسة وأشد قمعا، مما يعني أن قرار حالة الطوارئ مجرد ضحك على اللحي والشوارب، ومحاولة لغسيل سمعته ولكنه غسيل بدون مسحوق، ويهدف السيسي بالأساس من هذه المناورة المكشوفة هو التقرب لإدارة الرئيس الأمريكي بايدن بكل الطرق المتاحة، فمتى سيدرك الرأي العام الداخلي والخارجي أن نظام السيسي لا يحيا إلا على الخداع والأكاذيب.

Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *