طامع غير مؤهل.. لماذا يتلقى ماكرون الصفعة تلو الأخرى؟

عدد المشاهدات: 157

ياسر عبد العزيز

بقلم/ ياسر عبد العزيز

أخذ نفساً عميقاً حبسه لثوانٍ ليطلقه مع صرخة قوية صاحبت ذراعاً جمع فيها كل قواه، مستعيناً بعضلات الوسط والكتف واليد، لتنزل صفعة قوية على وجه الرئيس.. (تسقط الماكرونية)، كان ذلك في منطقة دروم، جنوب شرقي فرنسا، حيث التقى ماكرون عمالاً وطلاباً للحديث معهم عن عودة الحياة إلى طبيعتها بعد وباء “كوفيد-19”. لم تكن هذه المرة الأولى التي يتلقى فيها الرئيس الحالي لفرنسا إيمانويل ماكرون صفعة، قبلها بعامين تلقى الرجل صفعة من نوع آخر خربت عليه أناقته وجعلت مرافقيه ينفرون منه واضطرته إلى الانسحاب، بعد أن أصابه مُزارع ببيضة في رأسه ألقاها عليه أثناء تجوله بمعرض الزراعة السنوي في باريس عام 2018.

الصفعات الأولى

صفعة أخرى تلقاها لكنها جاءت من نحو 290 ألفاً من الفرنسيين ارتدوا ستراتهم الصفراء ليعلنوا احتجاجهم على سياسات ماكرون التي تطحن الطبقة العريضة من الشعب، لصالح شريحة صغيرة من الفرنسيين الأغنياء. لن ينسى الفرنسيون يوم 17 نوفمبر/تشرين الثاني، الذي أظهروا فيه غضبهم من ماكرون وسياساته، وأظهر هو وجهه الحقيقي في قمع الحريات ببلاد “النور والحرية”، ليسقط 230 جريحاً في ذلك اليوم، لكنه لم يتراجع واستمر في القمع حتى نال ما أراد من إخماد نار التظاهرات وإن كان تحت رمادها نار يمكن أن تشتعل في أي لحظة.

تلك الاحتجاجات كانت ترجمة حقيقية لحالة السخط داخل أروقة حكومة ماكرون نفسه. خلال عامين فقط استقال 11 وزيراً، وهي أكبر محصلة لاستقالات تشهدها فرنسا لتشكيلة حكومية من رئيس منتخب في فترة وجيزة، لكن الرقم القياسي الذي حققه ماكرون في هروب الوزراء كان في الشهر الأول حيث استقال أربعة وزراء، كان أولهم وزير الإسكان ريتشارد فيراند، الذي استقال على خلفية اتهامه باستغلال المال العام قبيل توليه منصب الوزير، ما أظهر ماكرون كالمتواطئ، وأكد ماكرون الشكوك بإعادة تدوير فيراند كرئيس لكتلة الحزب الحاكم في البرلمان، ومن ثم رئيساً للبرلمان!

لكن وزراء ماكرون المستقيلين تبعتهم فضائحهم، فبعد استقالة فيراند، استقال وزير العدل فرانسوا بايرو من منصبه، بسبب تهم بالفساد أيضاً، وباليوم نفسه، قدمت وزيرة شؤون الاتحاد الأوروبي مارييل دي سارنيز استقالتها، على خلفية تعيينها مستشاراً في البرلمان الأوروبي بوثائق مزورة، قبل أن تقدم وزيرة دفاعه سيلفي جولارد استقالتها، على خلفية تهم فساد أيضاً.

ما كان ماكرون لينجو بفرنسا في مواجهة أزمة كورونا دون تدخل الاتحاد الأوروبي، وألمانيا تحديداً، في إنقاذ فرنسا صحياً واقتصادياً من تداعيات الجائحة، بعد أن تعامل ماكرون وحكومته بسلبية أججت الغضب في نفوس الفرنسيين وكانت ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي شاهدة على هذا الغضب، بعد تصميم ماكرون على الإبقاء على القطاعات الاقتصادية مفتوحة، رغم نصيحة وزيرة الصحة، وما زاد غضب الشعب الفرنسي، أو على الأقل قطاعات كبيرة منه، تعليقه على عدم الإغلاق رغم خروج الأمور عن السيطرة قائلاً: (كنا محقين.. لن أعترف بالذنب، ولن أندم، كما لا أشعر بالفشل).

هذا الأداء وتلك القرارات التي صاحبتها الصفعات، والتي هزت صورة ماكرون التي صنعتها منظومة روتشيلد، وعلى مستوى العلاقات الخارجية، حقق ماكرون إخفاقات متتالية بسبب التخبط والارتجالية، التي وصفت بها سياساته الخارجية سواء على مستوى الوزارة الرسمية المسماة في الحكومة أو على مستوى الوزارة الموازية التي ألفها من بعض المقربين منه وأصبحت أكثر نفوذاً من الوزارة الرسمية.

وُصفت الفترة الماضية من علاقات فرنسا في نسختها الماكرونية بأنها مبنية على أوهام عودة فرنسا الإمبراطورية، وتلبس ماكرون لروح الراحل شارل ديغول ظاناً أن العالم لا يزال هو عالم ديغول نفسه، ما أصاب ماكرون، بحسب مراقبين، بهوس لإعادة عهد الوصاية الاستعمارية، وهو ما ظهر في طريقة تعامله مع رئيس بوركينافاسو، مارك كريستيان كابوري، وإحراجه أمام طلاب إحدى الجامعات البوريكينة، ما اضطر الرئيس البوركيني إلى أن يغادر القاعة تاركاً الضيف؛ تعبيراً عن رفضه لما يحدث وتأكيداً لسيادة بلاده.

لكن إحراج الرئيس البوركيني يعد هيناً أمام تدخلات ماكرون خلال السنوات الأخيرة في مالي وليبيا ولبنان وسوريا، وإفرازات التقارب مع الديكتاتوريات في الشرق الأوسط، لتشكيل تحالف برسم الزعامة، وبيع الأسلحة لتلك الدول رغم علمه أنها تستخدم من قبل تلك الأنظمة في قتل شعوبها أو التنكيل بهم، وأخيراً تنظيمه لمؤتمر بغداد بحثاً عن عقد عمل في العراق أو في دول جواره قبل الانتخابات الفرنسية التي يحلم بفترة ثانية فيها.

الحرب على “التطرف الإسلامي”

لا يفوّت الرئيس الفرنسي فرصة إلا ويتوعد فيها باستمراره في حرب لا هوادة فيها على ما يسميه “التطرف الإسلامي”، ولا يترك الرجل مناسبة، على نهج الديكتاتوريات التي تحكم الشرق الأوسط، إلا ويؤكد حربه ضد الإرهاب، ومنذ أيام عاد من جديد إلى الواجهة ملف تعامل الإدارة الفرنسية مع تنظيم الدولة، بعد أن أعادت المحكمة العليا الفرنسية نظر القضية، فقد أشارت تقارير غربية إلى أن المخابرات الفرنسية كانت على علم بتورط شركة “لافارج” الفرنسية في تمويل التنظيم بسوريا، وكانت القضية قد فتحت في عام 2017، وشرعت السلطات الفرنسية في إجراء تحقيق بهذا الخصوص وضلوع الشركة الفرنسية في جرائم تتعلق بتمويل الإرهاب، لكن فجأة هدأت الأمور حتى فتحت المحكمة العليا القضية من جديد، لكن النتيجة في النهاية صفعة جديدة لماكرون، الذي استفاق بعدها بيوم على صفعة أكبر، جاءت هذه المرة من حلفائه المفترضين بعد إعلان واشنطن ولندن وكانبيرا عن تشكيل تحالف استراتيجي، ما نتج عنه فسخ الأخيرة صفقة شراء غواصات فرنسية، لطالما وصفها ماكرون بأنها صفقة العصر الفرنسية، متباهياً بإنجازه.
صفعة جديدة لماكرون، وصفها وزراء حكومته بالطعنة لفرنسا، لكنها بالنسبة لماكرون صفعة جديدة في توقيت غاية في الصعوبة، حيث إن الرجل على بعد خطوات من الانتخابات ويبحث عن أي إنجاز يتشبث به للعبور إلى الضفة الثانية للولاية الثانية التي يحلم بها، لكن الأزمة الحقيقية لماكرون هي تلك العلاقات التي تبدو باتجاه منحنى أزمة مفتوحة بعد إلغاء أستراليا صفقة الغواصات الفرنسية لصالح الغواصات الأمريكية، وهو ما يراه المراقبون أزمة جديدة في مسيرة أصغر ساكني الإليزيه، لاسيما مع ردود فعله المتوقعة والمدفوعة بشيء من الغطرسة.

صفعة جديدة

لم يستفق ماكرون بعد من خسارة 31 مليار يورو على طاولة مفاوضاته السابقة مع كانبيرا في الصفقة التي خطفتها واشنطن ولندن، حتى فوجئ بصفعة جديدة لم تأتِ كسابقتها عبر المحيطات، ولكن من الجارة سويسرا التي أعلنت أنها تفضل الطائرة F-35 الأمريكية أحدث ما قدمته الصناعات الحربية الأمريكية، على الطائرة الرافال الفرنسية التي لم تجد سوى دول العالم الثالث في الشرق الأوسط سوقاً لها. وفي ظل الأنباء التي تحدثت عن إلغاء ماكرون قمة مرتقبة بين ماكرون والرئيس السويسري جاي بارملاند في شهر نوفمبر/تشرين الثاني القادم، على خلفية إلغاء الأخير صفقة الطائرات الفرنسية، قبل أن يصحح الإليزيه المسار، ويكبح جماح غضب ماكرون وتهوره، بالتعليق بأن موعد القمة لم يحدد بعد بشكل نهائي، وهو ما يراه البعض حفظاً لماء وجه فرنسا التي عانت كثيراً مع ماكرون.

الطامع غير المؤهل

إن قبض ماكرون على الشاب الذي صفعه في دروم وقبله المزارع بمعرض باريس للزراعة، واستطاع كذلك أن يخمد نار تظاهرات أصحاب السترات الصفراء، واستدعى سفراءه من أستراليا وأمريكا، وغطى على فشله في ليبيا ومالي بإفساح المجال للروس، وتمتع لبضعة شهور بتدليل الرئيس الأمريكي السابق ترامب، إلا أن الصفعات التي علّمت على وجه فرنسا قبل أن تعلم على وجهه وسيرته السياسية سيكون لها أثر كبير في الانتخابات القادمة، فليس بالضرورة أن يرد الشارع في تظاهرات يمكن أن تقمع، بل هناك آلية اعتمدتها المجتمعات المتحضرة على من يخفق في خدمتها ولو كان طامحاً. كان على أصغر رئيس حَكم فرنسا أن يأخذ بنصيحة الرئيس التركي المخضرم حين نصحه بالتروي وقياس الأحجام وتحسس موطئ قدميه ومعرفة مكان تموضعه قبل أن يتهور، وقد صدق وصف أردوغان على ماكرون حين نعته بـ”الطامع غير المؤهل”.

 

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.