دور الحزب المعاصر في نشر الديمقراطية

عدد المشاهدات: 234

فلسطين تنتصر ونتنياهو يجر أذيال الهزيمة – حزب غد الثورة

 

بقلم / تامر المغازي

كاتب صحفي، وعضو الهيئة العليا لحزب غد الثورة..هولندا

ولا يمكن للحزب أن يكون ديمقراطياً إذا لم يحقق النقلة المفاهيمية في نمط تفكير أفراده، والمتعلقة بتحقيق القفزة نحو فكرة المواطنة. وفكرة المواطنة من حيث دلالتها الكثيفة، قادرة على أن تكون إضافة لمجمل البنية المفاهيمية التي تصوغ وعي المجتمعات. فهي بالتاكيد ليست في تضاد مع الأفكار الأخرى وليست في تضاد مع الهويات الفرعية التي تستند إلى وعي المصلحة. فما يميز الحزب عن قلاع الاقطاعين، من حيث أن كلاً منهما ينظم العلاقة بين مركز الدولة وبين شعبها، ان قلاع الاقطاعيين مسؤولة عن من يقع في نطاق سلطتها الجغرافية، في حين الحزب في الدولة الحديثة، هو لكل المواطنين على امتداد جغرافيا الدولة، بمن فيهم من يمارس الحكم. فالحزب للجميع بغض النظر عن موقعه في هرم الدولة.

ويوجد مهام مزدوجة للحزب حتى يمكن اشتقاق آليات عمل الحزب، لا بد من التوقف عند ازدواجية مهامة. فأولها، التي أشير لها سابقاً، أن الحزب معني ببناء نفسه، ومعني أيضاً بالمساهمة في بناء الدولة الديمقراطية، وفي إنجاز عملية التحول الديمقراطي الآمنة. كل هذه المهام متزامنة ومتوازية، وليس متتابعة.

والتاريخ الحديث، مليء بالشواهد على تعقيد وازدواجية مهام الحزب. فمثلاً الحزب لم يكن وسيلة تركيب وبناء فقط (خدمة وظيفة الامير)، بل كان أيضاً وسيلة تفكيك. فكما أن المفتاح (يغلق ويفتح) كذلك الحزب يفكك ويركب. والأحزاب الثورية في العصر الحديث شاهد على هذه الحقيقة. هذه الاحزاب الثورية نفسها تحولت إلى صيغة تركيب بعد انتصارها. الحزب الديمقراطي هو الذي يسعى لفك ارتباطه بادوار الحزب التقليدية (التفكيك والتركيب). إذ أن التفكيك والتحلل ينتج عن عجز المنظومات القديمة للدولة عن تادية دورها في ظل التحولات الكبرى التي تفرضها وسائل الانتاج والتنظيم الاجتماعي المعاصرة، ولا تحتاج إلى جهود منظمة، التحدي هو التركيب. ولكن مهمة التركيب لا يمكن اشتقاقها من منظور الاحزاب التقليدية البلشفية. بل من المهمة الاكثر تعقيداً وهي حماية الدولة من فاعلية التفكيك الناشئة عن تحول وسائل الانتاج.

والبديل عن منطق التفكيك والتركيب في المرحلة التاريخية التي هيمن فيها المنطق البلشفي، هو المنظور البديل للحزب من حيث أنه كان وسيبقى وسيلة مزدوجة (للاستقرار والتغيير). فمع استقرار فكرة تداول السلطة، وتحول الانتخابات إلى استفتاءات شعبية على برامج التغيير والتطوير، أصبح الحزب في الدولة الديمقراطية هو حزب مزدوج الوظيفة (أولاً تصميم وتنفيذ برامج التغيير السلمي الآمن) وضمان الاستقرار الحيوي (وليس السكون) للمجتمعات، ويعبر عن هذه الازدواجية بمهة حفظ التوازن الفعال. وعند دمج كلا الوظيفتين (ضمان الاستقرار وتحقيق التطوير المطلوب) يصبح الحزب الديمقراطي وسيلة لتحقيق التطور المتوازن في المجتمعات. إذ أن عنوان ومضمون فكرة الاستقرار في الدولة الديمقراطية الحديثة متعلق بمفهوم التوازن، بديلاً لمفهوم السكون في الدولة الاقطاعية ودولة السلاطين.

الحزب الديمقراطي عليه أن يسعى لحل معادلة التغيير والتطوير مع حفظ الاستقرار. الحزب الذي يتمسك بالتغيير فقط ليس حزباً ديمقراطياً. ربما هذه هي الأحزاب الثورية ذات الطابع البلشفي. والحزب الذي يسعى للسجال الأيديولوجي كوسيلة عمل ليس حزباً ديمقراطياً. كذلك فإن الحزب الذي يتخلى عن مهمة التغيير، بحجة صيانة الأمن والاستقرار، ليس حزباً على الإطلاق.

من هنا فإن الحزب الديمقراطي يعرف بنقطتي اسناد مرجعية: الأولى متعلقة بهدف إحداث التغيير، والثانية متعلقة بمحددات إجراء هذا التغيير، وهي: صيانة الاستقرار، وأن يجري التغيير في سياق الدولة. ولاحقاً سوف يتم التعرض للأدوات وآليات العمل، باعتبارها هي نقطة الاسناد الثالثة لتعريف الحزب الديمقراطي.
ومن أهم وظائف الحزب الديمقراطي، المنبثقة من مهمته المركزية (تحقيق التطور المتوازن)، وهذه تتطلب فهم ضرورات التكيف مع المستجدات الاقتصادية والثقافية والسياسية. فالحزب يقدم برامجه مبررة بضرورات التكيف مع الحقائق والمستجدات. خطاب الحزب دائماً محمول على ركنين: المصلحة المشتركة لكل الفئات، (خدمة وظيفة الأمير بالحفاظ على الاستقرار) مع الانحياز لمصلحة فئة من الفئات (خدمة مصلحة عبر تغيير آليات العمل في بعض مؤسسات الدولة). فهو من جهة وسيلة لتشكل رؤية المصالح والفهم الموضوعي للمصلحة في سياق الدولة، وليس في حالة تضاد معها. ومنطلق التوفيق بين الركنين (ركن الجماعية، وركن الفئوية) يتم من خلال الحديث عن ضرورة التكيف والتحول للحفاظ على التوازن الكلي في الدولة والمجتمع.

بهذا المعنى، سيبقى الحزب وسيلة لتمكين المواطنين من خدمة مصالحهم والدفاع عن قيمهم العليا المشتركة التي توحدهم في سياق الدولة. وبالتالي، فإن ما يتقدم به الحزب من مقترحات لتطوير آليات عمل مؤسسات الدولة، لا تنبثق ولا يمكن تأسيس شرعية هذه المقترحات – فقط – على مصلحة فئة من فئات المجتمع. فمثل هذا الخطاب يجعل الحزب مجرد جماعة مصالح. ولكن الحزب، بوعي تام، يوظف ما يجري من تحولات (بيئية، تكنولوجية، اقتصادية مالية، سياسية) لتبني مقترحات للاستجابة لهذه التحولات، بما يضمن تحقيق منافع اكبر (أو أعباء أقل) لفئة من فئات المجتمع، وذلك عبر مقترحات لتطوير العمل في بعض مؤسسات الدولة، استجابة لهذه التطورات.

فكما ان حفظ التوازن بين الفئات المختلفة، وظيفة مركزية من وظائف الدولة، فإن الحزب يجب أن يعي، من حيث هو، في خدمة وظائف الدولة، أنه مطالب بخدمة وظيفة التوازن، عبر تطوير آليات عمل مؤسسات الدولة. فالحزب مثلاً مطالب أمام تحدي أمني بأن يقدم مقترح لتطوير آليات عمل المؤسسات والاجهزة الامنية. وأمام تحدي شح المياه، مطلوب منه أن يتقدم بتطوير آليات جمع وتوزيع المياه، وتعظيم المصادر المائية. وأمام ثورة المعلومات، مطالب بتقديم تصورات لتمكين المجتمع والدولة من التكيف مع ما يجري. وأمام ثورة الطاقة مطالب بتقديم تصور جديد لآليات إدارة مصادر الطاقة وتوزيعها. فالدول تتطور عبر تطوير آليات عمل مؤسساتها، وبمقدار ما يتم هذا التطوير في سياق ضمان التوازن بين المصالح المختلفة فإن الدولة تستقر وتزدهر. وهذه المهمة، يجب أن يقوم الحزب بتقديم تصورات (ليس داخلية لأعضائه) ولكن لكل المجتمع، لتطوير آليات عمل مؤسسات الدولة. أزمة التعليم التي تعصف بالأردن، تقتضي أن يتقدم الحزب بتصور لتطوير آليات عمل وزارة التربية والتعليم، وتطوير منظور إدارة عناصر العملية التعليمية.

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.