قصة بطل مات مظلوما (2)

عدد المشاهدات: 153

بقلم / تامر المغازي
صحفي وعضو الهيئة العليا لحزب غد الثورة ..هولندا

البطل الذي انصفه التاريخ وظلمه الشعب رحل عبد الحميد عن 57 عاما، قضى ثلاثة عقود منها في حكم دولة مترامية الأطراف تنوء بحملها الثقيل، فكان شغله الشاغل طوال هذه الحقبة إنقاذ “الرجل المريض”، أو تأجيل حتفه يوما على الأقل، وهو اللقب الذي أطلقه الأعداء المتربصون على الدولة العثمانية في عصر الأفول.

رثاه شعراء العرب والإسلام فور تلقيهم نبأ وفاته، فقال الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي: سلام على العهد الحميدي إنه لأسعد عهد في الزمان وأنعم

وأوجز أمير الشعراء أحمد شوقي المأساة بلسان الأمة قائلا: ضجَّت عليك مآذنٌ ومنابرٌ وبكت عليك ممالك ونَواح

وقبل هذا الرثاء والبكاء، ثمة مواقف وتحديات أثقلت كاهل الخليفة، وجعلت من تصديه المتواصل لها أسطورة تاريخية ما زالت تلهم الأدباء والشعراء ومبدعي الدراما حتى يومنا هذا. اعتلى عبد الحميد العرش عام 1876 عندما خُلع أخوه مراد الخامس بتهمة الجنون، وكان عمر السلطان الشاب 34 سنة، إلا أنه كان متمرسا على السياسة بسبب التربية التي تلقاها في عهد عمه عبد العزيز الأول ثم والده عبد المجيد الأول، فتمكن من مداراة الصدر الأعظم مدحت باشا الذي كان له القول الفصل عاما ونصف العام، ثم بدأت حقبة عبد الحميد.

استهل الخليفة الشاب حكمه بمطالب الدول الأوروبية بتحسين ظروف رعايا الدولة من النصارى، فأحال المطالب إلى مجلس “المبعوثان” (البرلمان) العثماني الذي رفض هذا التدخل السافر في الشؤون الداخلية، الأمر الذي اعتبرته روسيا مبررا لإعلان الحرب بمباركة أوروبية، فاحتلت بلغاريا ووصلت أدرنة، مما شجع الصرب الساخطين أيضا على التمرد. وفيما يشبه حالة الطوارئ، قرر عبد الحميد حل مجلس المبعوثان إلى أجل غير مسمى ليعالج الأزمة على طريقته، فوجد خصومه الأوروبيون مبررا آخر لوصمه بالطغيان والاستبداد وتحريض معارضيه على التمرد، مما دفع عبد الحميد بالمقابل إلى التصعيد وتشكيل جهاز أمن سري، مضحيا بالمزيد من الحريات في بلاد متعددة الأعراق والطوائف.

ومع انقضاء العقد الأول من حكمه، كانت معظم أراضي البلقان قد انفصلت عن الجسد الإسلامي وتوزعت على موائد النمسا وروسيا. وما إن وضعت الحرب العثمانية الروسية أوزارها حتى كانت خطط التقسيم ومطامع الانفصال قد نضجت في عقول أصحابها، فاحتلت فرنسا تونس، واحتلت بريطانيا مصر رغم مقاومة أهلها، وتمردت الحركة المهدية لتنفرد بحكم السودان.

وفي مطلع القرن العشرين، تجددت الثورات فيما بقي من البلقان، ولم يكن الجيش العثماني قد فرغ بعد من إخماد حرب في اليونان ليشتبك مع عصابات المتمردين في مقدونيا، وسط ضغوط أوروبية لا تتوانى عن المطالبة بالمزيد من الحريات في الأقاليم المستعصية. وفي عام 1889، وبالتزامن مع مئوية الثورة الفرنسية، شُكلت في باريس جمعية سرية تحت مسمى “الاتحاد والترقي”، وجعلت على رأس أهدافها عزل عبد الحميد والقضاء على الخلافة وتكريس الحكم العلماني على الطريقة الفرنسية.

ومع أن السلطان انتبه إلى مخططاتهم عبر أجهزته الأمنية، وعمل على استمالة الكثير منهم بالمناصب والملاحقة والضغوط، فقد نجح بعضهم في مواصلة المشروع مستفيدين من الدعم الأوروبي السخي، ومن رعاية الأقليات النصرانية التابعة للدولة، وكانت النقطة الفاصلة بانشقاق الجيش الثالث في سالونيك، وانضمام أنور باشا ومصطفى كمال (الذي صار لاحقا أول رئيس علماني لتركيا) إلى الثورة.

وبالتوازي مع هذه المؤامرات، كان اليهود يكثفون محاولاتهم لانتزاع “أرض الميعاد”، بدءا بإغراء السلطان بالمال فور اعتلائه العرش مقابل إسكان اليهود في فلسطين، ولم تتوقف عروضهم السخية بالمال والوساطة لدى أوروبا رغم إصرار السلطان على رفضها، بل ومنعه اليهود حتى من دخول القدس، مما دفع قائد الحركة الصهيونية تيودور هرتزل إلى إعلان نواياهم في مؤتمرهم الأول في بازل السويسرية عام 1897، الأمر الذي واجهه عبد الحميد بالمزيد من التضييق والمنع.

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.