حسام الغمري يكتب: مَدد يا أبا الحاج بايدن مَدد

عدد المشاهدات: 428

حسام الغمري (@HossamAlGhamry) | Twitter

بقلم: حسام الغمري

كما أن الشيطان يخشى من ذكرِ الله ترتعد الأنظمة القمعية، أنظمة الطغيان والبطش والرأي الواحد والصوت الواحد مع جوقة المهللين من الحديث عن حقوقِ الإنسان !! ولكن في البداية ما كانت ثورة يناير التي احتفى بها العالم – حتى أن العديد من الزعماء بادروا لزيارة ميدان التحرير – أبداً تتمنى أن يتقزم دور مصر وإرادتها هكذا أمام الضغوط الخارجية ، و لعل عزاءها الوحيد أنها ولدت طوفاناً من الوعي والمعرفة الحقيقية والفهم والنضج لدى المصريين.

لم يعد سراً أن النظامَ الانقلابيّ في مصر يعاني ضغوطاً دولية تجلّت بخروج بيان الــ 31 الذي ربط حقوق الانسان بالتنمية المُستدامة والأخطر أنه ربطها بالتعديلات التي أقرتها الأمم المتحدة عام 2015 والتي تسمح للدول بالتدخل في حال لم ترغب بعض الدول في إقرار حقوق الانسان وصولا إلى التنمية المستدامة ، وكان يهمش ذلك كله الرئيس ترمب الذي اعتبر السيسي دكتاتوره المفضل ، ولكن جاء بايدن ليرفع من جديد في وجه النظام شعار حقوق الانسان ، ورفض – حتى كتابة هذه السطور – استقبال السيسي في البيت الأبيض وهو الأمر الذي بدا ضاغطا بعمق على أعصابه ، لا سيما وأنه يعلم أن هناك تباينا في وجهات النظر قد حدثت بينه وبين بعض أركان نظام حكمه عبر عنه هو بنفسه حين وصف بعض المسؤولين الرافضين لالغاء الدعم عن رغيف الخبز بالمرتعشين !!

السيسي في الماضي اعترف أنه هاتف وزير الدفاع الأمريكي الأسبق تشاك هيجل 50 مرة حتى يحصل على الضوء الأخضر ليتمكن من الانقلاب على التجربة الديمقراطية الوليدة – مع اعترافي بأن جماعة الإخوان ليست مؤهلة للحكم سواء في مصر أو في غيرها من البلدان العربية والواقع يؤكد ذلك تماما بما لا يعطي مبررا لاستفاضة ، ولكن تبقى تجربة المغرب هي الأهم ، حيث أنه تم ابعاد الجماعة بالصندوق كما جاءت وليس بحمام دم –  بمعنى أن السيسي يعرف قواعد اللعبة جيداً وان إشارة واحدة قد تطيح به هو أيضا خارج اللعبة !!

لجأ السيسي الى حيلة النظام العسكري الأزلية منذ عهد عبد الناصر الذي وصفه بالزعيم ، وهي تفريغ أي خطوة تبدو ديمقراطية من محتواها ، فالدستور مجرد حبر على ورق ، و البرلمان صناعة أمنية يضم مجموعة من المحاسيب ، والقضاء المصري يقضى بقانون واحد هو ، الحكم بعد المكالمة ، ولا تنمية مستدامة ولا استثمارات دون قضاء عادل مستقل !! والآن جاء وقت الاحتيال على الضغوط الدولية في مجال حقوق الانسان بإصدار ما أسماه السيسي بالاستراتيجية الوطنية لحقوق الانسان !!

بداية اضافة مفردة الوطنية هو تأكيداً لما قاله السيسي من قبل بأنه لا يمكن تطبيق المعايير العالمية في مجال حقوق الانسان في مصر لأن المواطن المصري من وجهة نظره لا يصلح وغير مؤهل لذلك ” فرز تاني من البشر ” !! وزاد على ذلك في المؤتمر الأخير بأن قال إننا دول حديثة عمرها ليس قروناً كأمريكا مثلا ، ونسى أن أول دولة للعرب كانت في المدينة المنورة قبل 1400 عام ، دولة بنت المسجد ثم أعلنت دستورها الذي أقر بحقوق المواطنة الكاملة وحرية الاعتقاد الكاملة ، وأيضا حرية الرأي والتعبير ، حتى أنها لم تبطش بكبير المنافقين حين اتهم زوجة النبي ( ص ) في حديث الإفك ، وأود أن أقول للسيسي بهذه المناسبة أن هذه الحرية الكاملة في ابداء الرأي لم تعطل دولة المدينة المنورة عن البناء والازدهار والتوسع وتصدير ثقافتها للمنطقة ، كما تتوهم أنت وكما تحاول إقناع أنصاف المتعلمين وأصحاب أرباع العقول بأن شرط بناء الدولة وتقوية مؤسساتها هو سحق حرية التعبير ، لكم هو سخيف هذا الفكر !!

خطة السيسي باختصار انه يريد إيصال رسالة للعالم الخارجي بزعامة بايدن أنه بسعيه للقضاء على العشوائيات وبناء بعض المدارس وتحسين أحوال بعض المستشفيات ، وصناعة مجلس للشورى – لا يختلف كثيراً عن برلمانه الأمني – بل إعلانه دعم المسلسلات والدراما ” هم يضحك ” !!  فإنه قطع خطوات في مجال حقوق الانسان ، والآن هو يعتمد إستراتيجية تمتد لخمس سنوات – فلربما يختفي بايدن ويعود ترامب –  لم يتعهد فيها بأي إجراء حقيقي أو مبادرة جادة لوقف الانتهاكات التي رصدتها المنظمات الدولية وأقرت أنها تجاوزت مثيلتها في دولة قمعية مثل الصين مثلا !!

والمدهش أن الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى أفسد على السيسي خطته وأضاع كل العناء والجهد والتكاليف التي تكبدها حين اقترح على السيسي إجراءً عاجلاً بتعديل قانون الحبس الاحتياطي الجائر ، فتجاهل السيسي هذا الاقتراح وكأنه لم يسمعه لنتأكد نحن والعالم أنه لا ينتوي اتخاذ أي اجراءات حقيقية لمنح المواطن المصري أية حقوق أو كرامة ، فالسيسي لا يعتقد أن ذلك ضرورياً ، بخلاف أن المؤتمر كله مرّ على حق ابداء الرأي والتعبير مرور الكرام ، فالسيسي أضعف من أن يتحمل إعلاما حراً مستقلاً يقوم بدوره الرقابي – كسلطة رابعة – لصالح المجتمع ضد فساد الحكم !!

رسائل السيسي إلى الخارج لا تخطئها عين ، بل وصل لدرجة أنه تساءل عن وجود أجانب في المؤتمر ، في تقزيم واضح لمكانة مصر ، كما حاول العزف على أوتار الهجرة غير الشرعية لإخافة الغرب ، أو لابراز دوره في حماية نقاء الجنس الغربي من المهاجرين المصريين الأشرار ، وأيضا حاول إخافة الغرب من فكرة وضع إمكانية الدولة تحت تصرف جماعة ذات مرجعية إسلامية كما حدث في أفغانستان ، التي لم نسمع فيها مثلا عن مخرج يبتز الفتيات جنسيا ثم يظهر إعلاميا في أشهر برنامج تليفزيوني يحمل وجهة نظر النظام !!

وكانت ابرز تصريحات السيسي التي تحمل تراجعاً لافتاً ، أنه أبدى استعداده لقبول جماعة الاخوان من جديد – عكس كل تصريحاته السابقة – بشرط ألا تسعى لفرض فكرتها على أحد ، على الرغم أن أحداً في مصر لا يتذكر أن جماعة ذات مرجعية إسلامية حاولت فرض فكرتها عليه ، إلا أن السيسي يصر ربما أن يفرض فكره هو – وفهمه علينا جميعاً !! ولم ينس السيسي أيضاً التذكير بمصير سوريا وهي معزوفته المفضلة ، أو الوحيدة ، واعتقد أن الشارع قد سأم منها !!

السيسي حاول استجداء الغرب باعلان أنه يقبل بالالحاد ، ويبني الكنائس والمعابد اليهودية ، ولولا أنه يخشى السوشيال ميديا لأعلن قبوله للشواذ عل بايدن يوجه له دعوة لزيارة البيت الأبيض !! ورغم حزني وألمي وضيقي لأن مقعد الرئاسة في مصر بدا في مثل هذه الحالة المزرية البائسة أمام أول ضغط خارجي جدي وهو الذي لطالما حاول رشوة الغرب وإسرائيل ، إلا أنني لا أملك في النهاية سوى أن أقول : بركاتك يا حاج بايدن فلولاك ما سُمعت كلمة حقوق الانسان داخل مصر في عهد السيسي !!

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.