كارثة القروض الخارجية..علاج الديون بالمزيد منها والدولة بانتظار معجزة تنقذها.

عدد المشاهدات: 306

كتب- عبدالرحمن هنداوي

تشير بيانات رسمية أن حجم القروض المصرية وصل لمستويات مخيفة وغير مسبوقة، ورغم ذلك تؤكد الحكومة أن القروض لازالت في المستويات الآمنة، وهو ما تنفيه مؤسسات دولية وخبراء اقتصاديين.

في أحدث تقاريره أعلن البنك المركزي المصري ارتفاع الدين الخارجي للبلاد خلال الربع الأول من العام الجاري إلى 134.8 مليار دولار، بالمقارنة مع 129.1 مليار دولار في ديسمبر 2020، بزيادة قدرها 5.64 مليار دولار، أي بنسبة 4.3%، ، وبلغ معدل الزيادة في ديون مصر الخارجية خلال عام واحد نحو 21%، بعد أن كانت قد بلغت 123.5 مليار دولار في مارس 2020.

وشهدت مصر خلال السنوات العشر الماضية صعودًا كبيرًا في حجم الاستدانة، خاصة مع تولي السيسي السلطة، وطبقا للبيانات الدورية للبنك المركزي المصري فقد بلغت قيمة الدين الخارجي لمصر نهاية حكم مبارك في ديسمبر2010 حوالي 34.9 مليار دولار، ثم انخفضت إلى 34.3 مليار دولار خلال فترة حكم المجلس العسكري خلال عامي 2011 و2012، وشهدت فترة حكم الرئيس الراحل محمد مرسي ارتفاع قيمة الدين الخارجي إلى 43.2 مليار دولار، في العام المالي 2012-2013، وزادت في فترة حكم الرئيس المؤقت عدلي منصور، التي امتدت للعام المالي 2013-2014، إلى 46 مليار دولار.

ومع تسلم السيسي السلطة رسميا، بدءا من 2014، توسعت مصر بشكل كبير في الاقتراض، ليصل حجم الدين الخارجي إلى 134.8، حسب البيان الأخير، مما يعني وصول الزيادة، خلال فترة حكمه، إلى ما يقرب من 3 أضعاف الدين الخارجي قبل وصوله للسلطة، وأصبح الدين الخارجي فقط يمثل 35% من إجمالي الناتج المحلي.

وأظهر تقرير للبنك الدولي صدر بداية عام 2020، أي قبل انتشار جائحة كورونا، أن مصر كانت أكبر مقترض في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال عام 2019، إذ استحوذت على ما يقرب من 34% من إجمالي ديون المنطقة، كما أن مصر كانت ثاني أكبر مقترض من صندوق النقد بعد الأرجنتين.

حجم القروض لا يمكن للدولة أن تخفيه عن الشعب، وبينما تكتم الدولة الأفواه المحلية عن التحدث وتحليل تأثير تلك القروض، بل وتطمئن الشعب بأن الديون مازالت في الحدود الآمنة، تحذر منظمات دولية مثل وكالة “ستاندر آند بورز” و”موديز” للتصنيف الائتماني الحكومة المصرية من خطورة التوسع في الاستدانة دون توقف، وعلى المستوى المحلي أصدرت المبادرة المصرية للحقوق والحريات تقريرًا شاملًا لكل مخاطر قرارات الدولة الاقتصادية وفي القلب منها سياسة القروض.

وتقصد الدولة بالحدود الآمنة أنها قادرة على سداد أقساط وفوائد الدين، لكن كيف تفعل ذلك؟ على لسان السيسي نفسه أكد أن الدولة تقترض من جديد لسداد القروض القديمة، وقال “فيه كلام كتير بيتقال على الدين العام والخارجى، وبالتالى محتاجين أننا نوضح للناس أن إحنا منقدرش نتوقف عن ده، مع الوضع فى الاعتبار نقطة مهمة وهي أن قياسات الدين وإن كانت عالية ولكن جهدنا كدولة فى ضبط هذا الدين وزيادة حجم الناتج القومى هيخليه داخل الحدود الآمنة”.

لم يوضح السيسي بالضبط ما يقصده من جهد الدولة في ضبط الدين، لكن أوضحه لاحقًا أحمد كجوك نائب وزير المالية للسياسات المالية، حيث قال أنه بالفعل تسعى الدولة لخفض ديونها قصيرة الأجل، لكن ذلك يحدث عبر الاستدانة بقروض طويلة الأجل يسدد منها القروض قصيرة الأجل.

لا مبررات اقتصادية

وهو ماا يراه خبراء ومحللين اقتصاديين كارثيًا على الاقتصاد المصري، يقول الخبير الاقتصادي مصطفى عبدالسلام أنه لا توجد مبررات اقتصادية ومالية تبرر اقتراض البلاد أكثر من 90 مليار دولار خلال فترة قصيرة لا تتجاوز 8 سنوات، وهو رقم يزيد عن إجمالي قروض مصر في أكثر من نصف قرن.

ويضيف عبدالسلام أنه إذا كان صانع قرار الاقتراض لا يدرك خطورة إغراق الدولة في مستنقع الدين الخارجي الخطر فهذه مشكلة كبيرة في حد ذاتها، خاصة مع ما يترتب على هذه القروض من أعباء شديدة سواء لمالية وموازنة الدولة، أو المواطن الذي يتحمل وحده عبء التكلفة في النهاية في صورة زيادات في أسعار السلع والخدمات والضرائب والرسوم، وخفض في مخصصات التعليم والصحة والدعم، وربما تجميد زيادة الرواتب والأجور لسنوات.

ويشير أن في العصر الحديث لنا عبرة من بلدان غرقت في الديون وأعلنت إفلاسها. أحدث مثال لبنان الذي دخل في نفق مظلم وأزمات مالية طاحنة تهدد وجود الدولة نفسها، ومشكلات معيشية غير مسبوقة، حيث قفزات تاريخية لأسعار السلع الغذائية، وزيادات شبه أسبوعية لأسعار رغيف الخبز والبنزين والسولار، وانقطاع لا يتوقف للكهرباء والمياه، واختفاء للأدوية والسلع الأساسية، وتفاقم البطالة والفقر وغيرها من الأزمات الاجتماعية.

ويرى عبدالسلام أن ما يزيد من ضبابية وتعقيد أزمة تفاقم الدين الخارجي لمصر أمران، الأول هو أن حصيلة تلك القروض توجه لتمويل مشروعات لا تدر عائدا دولارياً يمكّن الدولة من سداد أعباء الدين الخارجي، وبالتالي يتم تحميل هذه الأعباء إلى المواطن واحتياطي البلاد من النقد الأجنبي لدى البنك المركزي، والثاني هو أن معظم المشروعات القومية الكبرى في مصر بات مصيرها مرهوناً بالاقتراض من الخارج، والأمثلة كثيرة مثل مشروع الضبعة النووي ومشروع القطار السريع، ومشروعات العاصمة الإدارية الجديدة، منها الحي الحكومي والفنادق والأبراج، ومشروعات تطوير السكك الحديدية وغيرها.

وطالب الخبير الاقتصادي بضرورة وضع حد لهذا الاستسهال في الاقتراض الخارجي لمخاطره الشديدة على الأمن القومي المصري، ويكفي القول إن أقساط وفوائد الديون في موازنة مصر الجديدة 2021-2022 تبلغ تريليوناً و172 مليار جنيه، وهو مبلغ يقارب قيمة الإيرادات العامة للدولة، أي ببساطة مصر كلها تعمل وتنتج طوال العام لسداد بند واحد فقط هو أعباء الدين العام، وهو ما يعني أن البنود الأخرى من رواتب وأجور ودعم واستثمارات عامة يتم تمويلها بقروض جديدة، وهنا ندخل في دوامة كبيرة، تقترض الحكومة من الخارج والداخل لسداد الديون القائمة والأعباء المستحقة عليها وتمويل البنود الأخرى.

انتظار المعجزة

ويرى الخبير الاقتصادي شريف عثمان أن النظام المصري يعيش في انتظار ظرف يسمح له بشطب كل أو جزء من ديونه الخارجية، على غرار ما حدث مع السودان الأسبوع الماضي، أو ما حدث مع مصر نفسها في عام 1991 بعد المشاركة في حرب تحرير الكويت، ويتوسع النظام في الاقتراض الخارجي كما يفعل من يثق بأنه لن يسدد، وأنه لن يحاسب على عدم السداد.

وقبل فترة، قال السيسي نصاً “حجم الأموال التي أسقطت عن مصر في 1991 بلغت 43 مليار دولار منها لنادي باريس وقروض أخرى، وده أعطى للاقتصاد المصري فرصة وهيا الحكاية كده”.

ويؤكد شريف أنه وبغض النظر عن دقة الرقم المذكور، لا يتعين على أي نظام في العالم أن يفترض أن ما يقترضه لن يكون مستحقاً للسداد، ولا بد أن نعلم أن دول العالم ليست من السذاجة التي تجعلها تقدم قروضاً لبلدٍ لا ينوي القائمون عليه السداد. ولو فعلوا، لأصبح الأمر مثيراً للريبة، ولوجب التوقف الفوري عن الاقتراض لحين التعرف إلى النوايا الحقيقية للمقرضين.

من جهته يرى أستاذ الاقتصاد ورجل الأعمال المصري محمود وهبة، أن حجم القروض الخارجية الذي تعلنه الدولة غير صحيح، لأنه بحساب الدين الخارجي لمصر فإنه قد وصل إلى نحو 230 مليار دولار وذلك بإضافة تكلفة إقامة محطة الضبعة النووية بقيمة 32 مليار دولار والقطار السريع بقيمة 23 مليار دولار وديون للبنوك بقيمة 12 مليار دولار.

 

ويضيف وهبة أنه في حين أن إيرادات مصر من العملة الأجنبية كالسياحة وقناة السويس والصادرات في أفضل الظروف لا تتعدى 24 مليار دولار أصبحت معادلة صعبة فكيف ستدفع مصر منها الديون، موضحًا أن الدولة لجأت إلى طريقة للسداد يعترض عليها ويحذر منها كثيرًا، وهي أخذ ديون جديدة لسداد ديون قديمة، وهي عملية نصب، لو توقف آخر مقرض ستنفرط السلسلة وهو أمر يتم فجأة دون أن تدري وستؤدي إلى انفجار، بمعنى أنك ستتوقف عن سداد الديون رغما عنك، وتصبح مصر دولة مفلسة.

 

ويشير أستاذ الاقتصاد أن هذه القروض تسمى قانونًا الديون غير المسؤولة حيث أن كلًا من المقرض والمقترض يعرفان أن الأخير لا يستطيع السداد ومع ذلك يقترض، والشعب لم يشارك في القرار، وبالتالي تتحول هذه الديون إلى ديون شخصية، وبناء على التعريف الدولي ديونكم باطلة وبالتالي لن تسدد.

 

 

تحذيرات من غرق الاستدانة

 

قبل أيام قالت وكالة “ستاندرد آند بورز” الأمريكية للتصنيف الائتماني، في بيان لها، إن على مصر أن تجد وسيلة لخفض دفعات فوائد الدين الأجنبي إذا كان لها أن تتفادى الوقوع في أزمة في حال ارتفاع سعر الفائدة العالمية في المستقبل.

 

وعلى ذات المنوال حذرت وكالة “موديز” للتصنيف الائتماني من أن الاقتصاد المصري لا يزال عرضة لصدمات التمويل الخارجي نتيجة لوباء كورونا وظروف السيولة الخارجية المتقلبة، وضعف القدرة على تحمل المزيد من الديون. وفى ضوء إمكانية حدوث ارتفاع حاد في تكاليف التمويل. وأشارت إلى أن مدفوعات الفائدة التي تشكل 46٪ من إيرادات الموازنة ونحو 9% من إجمالي الناتج المحلي خلال العام المالي الحالي، تدعم تعرض الاقتصاد المصري لصدمات التمويل المحتملة. وذكرت أنه على الرغم من التحسن، بالمقارنة مع المراجعة الأخيرة، فإن هذه المعدلات والمخاطر المرتبطة بها تظل مرتفعة عند المقارنة مع الدول التي تحمل تصنيف (B2).

 

وأصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تقريرًا بعنوان “الدين الخارجي: كورونا ترفع الاستدانة”. وجاء في التقرير الذي تصدره المبادرة دوريًا منذ عام 2017، أنه بسبب سداد مخصصات أقساط وفوائد الديون سنويا، تضطر مصر إلى إعادة تدوير ديونها، أي إعادة الاقتراض من أجل السداد، مما يطرح أسئلة عن هشاشة الاقتصاد المصري وإلى أي مدى تمت تقوية قدراته خلال تلك السنوات العشرة التي زادت فيها القروض بهدف أن يصبح أكثر قدرة على مواجهة وامتصاص الصدمات، دون الاعتماد بشكل أساسي على الاقتراض الخارجي.

 

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.