دراسة بحثية..إقليم المتوسط من ضفة لأخرى الموروث المشترك

عدد المشاهدات: 366

بقلم/ عبدلي محمد المقران 

باحث دكتوراه في القانون العام .جامعة بربنيون- فرنسا

 مقدمة

من ضفة لأخرى، الموروث المشترك عبارة عن مساهمة مبنية على تحليل العامل التاريخي و الاجتماعي. فالتغيرات التي تمر بها منطقة المتوسط تفرض التأسيس لنظام شراكة بين الضفتين يكون مبنيا على تجسيد الفهم العقلاني لدروس التاريخ و التوجه نحو دينامية الاندماج، اذ كان للشمولية اثر كبير على ضفتي المتوسط بين بلدان اوربية تعمل على تركيز نفوذها على ميدان الطاقة الضروري لنهضتها المادية، لكن في نفس الوقت نجد بلدان مغاربية في مفترق طرق في ظل غياب اية مبادرة حقيقية و جادة للاندماج .في ظل هذا المناخ يتبين بأن اهداف الشراكة الاستراتيجية في صالح جهة على حساب جهة اخرى . وامام هذه الوضعية ما العمل؟

إن فشل المبادرات السياسية للاندماج والشراكة و التبادل تدفع الى التفكير حول وضع أشكال وأساليب أخرى للشراكة تكون مبنية على النتائج الملموسة .لكن ماهي هذه الاشكال البديلة لحالة اللاتوازن و الهشاشة ؟خاصة بالنسبة للبلدان المغاربية، وكيف يمكن لهذه الاخيرة ان تستخلص الدروس من تجارب الاندماج و ان تتموقع كفاعل مؤثر ؟

1 مشكلات الاندماج

العلاقات الراهنة بين دول ضفتي المتوسط تتسم باللاتوازن على مستويات عدة سياسية اقتصادية اجتماعية و ثقافية .فالتقدم الملحوظ على مستوى البناء الاوروبي يعطي لاوروبا اسبقية و تفردا على مستوى مراكز التأثير، فالبرغم من التحديات و الرهانات التي تفرضها العلاقات الدولية فان بلدان الاتحاد قد نجحت في وضع مبادرات للاندماج في صالحها .

منذ مسار برشلونة و مبادرة الاتحاد من اجل المتوسط نجد بان الاتحاد الاوربي هو المؤثر الرئيسي على مستوى مبادرات الشراكة في ظل غياب اي مبادرة جادة من الضفة الجنوبية . حيث لم تتمكن البلدان المغاربية من المبادرة لوضع اسس شراكة مع الجار الاوروبي تكون على مستوى تطلعات الشعوب المغاربية .

الاندماج بين التاريخ و الواقع السياسي

 مسار الاندماج الخاص بتجربة الاتحاد الاوربي و مبادرة اتحاد المغرب العربي له جذور تاريخية هامة جديرة بالدراسة و التحليل .فتجربة الاتحاد الاوروبي كانت كإجابة عقلانية لحالة الدمار الشامل الذي رهن مستقبل الشعوب الاوروبية بعد النزاعات التي اجتاحت اوروبا و تأثيراتها المهمة على مستوى العلاقات بين الدول الاوربية و علي مستوى اقتصادياتها و ثرواتها . اذ كان من المنطقي التوجه نحو مسار بناء مؤسس على القضاء على الحواجز و العوائق للاندماج و الوحدة و التوجه نحو انظمة حكم مثمنة للتجارب الداخلية و اخذ العبرة من (درس الحرب) .

اذا كان مسار الاندماج الاوروبي مبني على بعض من مظاهر العقلانية و الواقعية على مستوى العلاقات الدولية فان مظاهر اخرى من هذا البناء الاوروبي ترتكز على اللا توازن في علاقات القوة .و الظاهرة الاستعمارية هي وجه من اوجه هده الممارسة بالإضافة الى اللهث وراء التحكم في مصادر الطاقة .

   بالرغم من ان فكرة بناء تكتل على شكل اتحاد سمي باتحاد المغرب العربي قد حظيت بنوع من الاهتمام من طرف القادة السياسيين المغاربة مند 1990 م الذي لم يتبع بالتنفيذ و يجب التذكير هنا بان غياب الارادة الحقيقية و مخلفات الظاهرة الاستعمارية على مستوى النخب الحاكمة و الممارسة السياسية كانت العائق الاكبر لتحقيق حلم (مغرب الشعوب).

سوف يلاحظ القارئ بان فكرة بناء نموذج للاندماج هي فكرة مشتركة لبلدان ضفتي المتوسط، فتحليل العلاقات بين اوروبا و شمال افريقيا الذي يمثل مهد فكرة مغرب الشعوب يبرز مظاهر اللامساواة في العلاقات بين الضفتين لصالح الاتحاد الاوروبي .بالرغم من نتائج ظاهرة تصفية الاستعمار التي ادت الى ميلاد جمهوريات الجزائر و تونس ،موريتانيا و ليبيا و مملكة المغرب، و بالرغم كذلك من الارادة الشعبية للتوجه نحو اتحاد شبيه بالاتحاد الاوروبي مع اهتمام بالسياق السياسي الاجتماعي و الثقافي المغاربي فان بعض اللقاءات بين القادة المغاربة و بين الاجهزة التنفيذية و الاستشارية المغاربية لم تكن كفيلة لتأسيس مسار حقيقي للاندماج .هذه الوضعية التي تكرس تأثير السياسي و غياب التحليل المعمق للسياق المغاربي المتعدد الابعاد .

الاتحاد الاوروبي و اتحاد المغرب العربي بين رهانات و استراتيجيات الشراكة

ان تجربتي الاندماج على مستوى الضفة الشمالية و الضفة الجنوبية من المتوسط تظهر اختلافات عدة على مستوى فهم مسار الاندماج الشيء الذي ولد حالة من اللاتوازن على مستوى علاقات الشراكة .فمسار برشلونة قد اظهر هذا اللاتوازن بين تكتل الاتحاد الاوروبي الجاهز للمحافظة على مصالحه سوآءا في المتوسط او في افريقيا و بلدان مغاربية مشتتة حول نواة هشة و المتمثلة في اتحاد المغرب العربي .هدذه الحالة اسهمت في ظهور شراكة متعددة الاطراف لصالح الاتحاد الاوروبي .

بالرغم من بروز مبادرات للشراكة منذ مسار برشلونة لم تتمكن البلدان المغاربية من توحيد رؤيتها و جهودها حول مبادرة “جادة «مؤسسة على السياقات التفاعلية للمجتمعات المغاربية .فالمتتبع للأحداث يمكنه ملاحظة هذه الظاهرة من خلال دراسة آخر مبادرة و المتمثلة في الاتحاد من اجل المتوسط و المقدمة على اساس دفع مكمل لهيمنة الاتحاد الاوربي في المتوسط في ظل غياب اي مبادرة من الضفة الاخرى و هدذا بالرغم من وجود مقدرات هائلة ناتجة من التغيرات الاجتماعية و حركات المواطنة على الصعيد المغاربي .

هذه الحالة المرضية تؤدي للدفع بتفكيرنا نحو اهمية العمل حول نواة صلبة هي محصلة التفاعلات الاجتماعية بعد “الربيع العربي” تبعات المرحلة الانتقالية في تونس الحركة الاجتماعية في الريف بالمغرب، تطورات الحالة الليبية حركة المواطنة بالجزائر .و هكذا فمبادرة اتحاد المغرب العربي تتمثل امامنا بكل اخفاقاتها و محدوديتها خاصة  فيما يتعلق بالالتزام السياسي على المستوى الداخلي  المتمثل خاصة في الاحتقان الحاصل في علاقات الحاكم بالمحكوم و في معضلة الحكامة ، و على المستوى الخارجي في غياب مبادرات حقيقية للشراكة حالة الاتوازن هذه التي تجعل من السياسي امام مسؤولية تاريخية  في الاجابة و الأخذ بعين الاعتبار التغيرات الاجتماعية و السياسية و المطالب الشرعية للحركات الاجتماعية المغاربية .

ما العمل (الفاعلون و المؤثرات)؟

ترتكز تجارب و مسارات الاندماج على التفاعلات المجودة بين مراكز صناعة و اتخاد القرار و المجتمع فمخرجات هذه التفاعلات تقدم  على شكل مبادرات مبلورة من طرف فاعلين حكوميين و غير حكوميين و فاعلين اخرين يمثلون المجتمع بكل توجهاته الثقافية المدنية علاقات اجتماعية تراث اقتصاد انظمة التضامن الاجتماعي .

عرض الحال (السياسي و المجتمع)

الجزائر بين احتقان سياسي و دينامية جتماعية

في هذه العلاقة المتميزة بين ضفتي المتوسط تمثل الحالة الجزائرية تفردا خالصا و معلما من معالم العلاقات المعقدة بين الضفتين فالبرغم من موقعها الجيوسراتيجي المهم و ثقلها التاريخي على اكثر من مستوى و ديمغرافيتها الجذابة فاغلبية سكانها من الشباب و وجود هجرات مهمة منها الى اوروبا يلخص هذا البلد القارة بمفرده صعوبات الاندماج و الشراكة المنشودة من الشعوب المغاربية خاصة ان العلاقات بين الجزائر و القوى الاوربية  تاريخية و جيو سياسية،  ففرنسا و ايطاليا و اسبانيا و المانيا يعتبرون الجزائر شريكا طاقويا مهما .

على مستوى السياسة الداخلية تعتبر الحكامة من المواضيع الحساسة و المعقدة فالعلاقات بين الحكام و المحكومين هي في مفترق الطرق خاصة منذ( انتهاء النظام الرئاسي المطلق) و مؤسسات الواجهة و السبات الذي اصاب الحياة السياسية خاصة مع تراجع معتبر للمبادرات السياسية من طرف الاحزاب بعد عقدين من الحكم الاحادي من طرف الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة و ما تسميه وسائل الاعلام( التحالف الرئاسي) و في خضم هذا التوجه الشمولي تأخرت الجزائر و ابتعدت عن كل دور ريادي محتمل لها في طرح مبادرات الاندماج الاقليمي و الشراكة الاستراتيجية من اجل التنمية بين الضفتين .

اسهمت وضعية اللاحكامة هذه في ميلاد حركة احتجاجية بدأت تنمو شيئا فشيئا لتمس شرائح من المجتمع كانت محرومة من وسائل النضال السياسي و ممارسة المواطنة . حركة المواطنة هذه التي اصطلح على تسميتها اعلاميا( بالحراك الشعبي ) تميزت منذ الاسابيع الاولى من انطلاقتها بالطابع السلمي المطلبي الجامع الذي سوف يغيب الطبقة السياسية الجزائرية و يجعلها مضطربة او مترددة  الطبقة السياسية التي سوف تتلاشى تقريبا امام هذه الحركة الجماهيرية .هذه الاخيرة التي سوف تستفيد من تضامن حركات اخرى مثل حركة السترات الصفراء في فرنسا و حركة المواطنة في منطقة الريف المغربية .

هذا الثالوث التضامني اسهم في تقوية الالتزام الشعبي الذي اثر على مسارات اتخاد القرار الداخلي بالنسبة للنظام الجزائري و على مستوى العلاقات بجيرانه المغاربة و جيران الشمال .واسهمت منظمات المجتمع المدني الاتحادات المهنية كالقضاة و المحامين و الصحافيين و الجمعيات و المجموعات التطوعية مساهمة نوعية معتبرة في مرافقة هده الحركة الاجتماعية . بالرغم من التغييرات السياسية التي طرأت ب( انتخاب ) رئيس جديد و تشكيل حكومة جديدة و القيام بتعديلات وزارية لم يتمكن المواطن البسيط من الوقوف على اثار ايجابية كان قد وعد بها اثناء الحملات الانتخابية فورشات الجزائر الجديدة الشعار الغالي على الرئيس الجديد قد انطلقت في مناخ من التوتر و العجلة و غياب للتشاور مع الفاعلين الرئيسيين في المجتمع، هذه الوضعية التي اسهمت في الاحتقان المتنامي على المستوى الاجتماعي و السياسي و كبح المبادرات الجادة لهذه الحركة الاجتماعية الشيء الذي سوف يكون السبب الرئيسي في بروز توجهات متطرفة داخل هذه الحركة السلمية . بالرغم من الجهود المعتبرة للمجتمع و الدينامية الاجتماعية منذ فبراير 2019 تبقى العلاقة بين النظام و المجتمع علاقة هشة بفعل غياب الثقة في بروز ارادة حقيقية للتغيير و التفتح على المجتمع و دمقرطة الحياة السياسية .ان ميراث سنوات بوتفليقة قد اثر ايما اثر على جهاز الدولة و على المجتمع.

المغرب  ( الدينامية الحدرة)

يعتبر المغرب منذ عقود بمثابة الصديق المقرب من الاتحاد الاوربي فالمملكة العلوية تحظى بدعم متنام من دول الاتحاد الاوربي على المستوى السياسي و على مستوى الشراكة الاقتصادية و التجارية المتنامية .فالموقع الجيوستراتيجي للمغرب الوضعية الامنية المريحة و المستقرة بالإضافة الى التفتح الثقافي و السياحي جعلت من المغرب يحتل الريادة من بين الدول المغاربية المهمة بالنسبة للاتحاد الاوربي من حيث الشراكة الاستراتيجية للنمو فبالرغم من نظام الحكامة الداخلي الا ان المغرب يتوفر على امكانيات هامة لتحقيق الاندماج المغاربي المؤسس على تقاسم الموروث المشترك مع جيرانه من الضفتين .

لقد عمل المغرب لتكريس مبادرات شراكة مع الاتحاد الاوربي على المستويات الطاقوية التجارية المالية و الاقتصادية للمحافظة على مكانته الريادية كالشريك المغاربي الاول، فلقد توجهت جهود المملكة للعمل على احداث تجمعات للجاليات و النخب المغربية المتواجدة في الخارج  في فرنسا هولندا و المملكة المتحدة على سبيل المثال الشيء الذي يمثل ضمانا للتواجد المغربي الدائم على مستوى الاستشراف و الرصد و المشاركة في كل مبادرة شراكة .يحظى المغرب بمساندة من كل مبادرات الاندماج و الشراكة المتوسطية على مستوى الاتحاد الاوربي و الاتحاد من اجل المتوسط  هذه المقاربة المغربية للشراكة سوف يكون لها اثر مستقبلي كبير على مبادرة المغرب الكبير.

بالرغم من هذه المقدرات و الانجازات فوضعية المملكة على الصعيد السياسي و الاجتماعي تبقى مضطربة ،فاستحواذ المخزن على الحياة السياسية  بالرغم من وجود ديمقراطية تمثيلية و حياة سياسية و وجود اعلامي مكثف فالتفتح على المجتمع لا يبلغ حد الاجابة الوافية على متطلبات المجتمع .ان تصاعد ظاهرة الفقر وتنامي البطالة والاختلالات الجهوية على مستوى التنمية و الولوج لوسائل التنمية في الارياف البائسة التي تعاني من ظاهرة الفقر كل هذا قد ادى الى ميلاد حركات احتجاجية  امام هذه الوضعية اصبح للمجتمع المدني المغربي دور متنام في محاربة الفقر عن طريق مبادرات التنمية الريفية .ان اغلب المشاريع في هذا الميدان ممولة من جهات اجنبية و يعتبر الاتحاد الاوربي اكبر الممولين، اما بالنسبة للتطبيق فتتولاه منظمات المجتمع المدني .

من نتائج هذه الدينامية ظهور المقاولاتية الشبانية و عند نساء الريف .فتعدد تعاونيات الاقتصاد الاجتماعي و التضامني قد ادى الى تكون مقاربة و خبرة مغربية في المجال يمكن تقاسمها مع جيرانها من الضفتين على شكل ممارسات فعالة في انتاج و تثمين المنتوجات المحلية الاصيلة و منتوجات التراث المادي و اللامادي . وبالرغم من الايجابيات و المزايا التي يمكن للتجربة المغربية تقديمها فان هذه الدينامية تبقى حذرة و هشة على مستوى الحكامة المحليةو مشكل الصحراء و اللاتوازن الجهوي من حيث الولوج الى برامج التنمية .

تونس (الانتقالية الخطرة)

تمثل تونس استثناءا على المستوى المغاربي فالنضالات النقابية و جهود المجتمع المدني برمته قد اتت اكلها بانهيار نظام بن علي .يبقى ( الربيع العربي) استثناءا تونسيا، فالديمقراطية السياسية التي تولدت من الانتفاضة الشعبية تبقى جديرة بالدراسة و التحليل اذ يمكن ان تكون مرجعية هامة بالنسبة للدول المغاربية في اطار مبادرات دمقرطة الحياة السياسية . ان الترويكا التونسية كانت احدى التجارب الهامة في الانتقال الديمقراطي و المساهمة في تسيير المرحلة الانتقالية فبعد اكثر من عشرية من العمل التشاركي الذي لم يخلو و لن يخلو من الازمات و الصراعات و العمل التضامني تبقى التجربة التونسية متفردة كنتيجة من نتائج (الربيع العربي) رغم هذه الطفرة الا ان الازمات الاجتماعية الخانقة من انتشار و تزايد ظاهرة الفقر و البطالة و العنف الاجتماعي و التي بلغت درجات خطيرة تهدد التماسك الاجتماعي في بلد عرف بتقاليده في ممارسة المواطنة الفعالة و رعاية حقوق الانسان .

إن الاخفاقات و التعثرات ذات الطابع السياسي و المؤسساتي اسهمت في اطالة عمر الفترة الانتقالية  مع كل المخاطر التي يمكن ان تنجم من هذه الاطالة كالتطرف و العنف السياسي و الفساد و ظهور بؤر الفقر المدقع و لا توازن جهوي في الاستفادة من مشاريع التنمية بالإضافة الى ازمة سياسية متكررة بين رئاسة الجمهورية و الحكومة و مجلس النواب. لعب المجتمع المدني التونسي دورا فعالا في مرافقة الهبة الشعبية، فالتداول الديمقراطي على الحكم كان ثمرة العمل الجبار الذي قامت به الطبقة السياسية المجتمع المدني و المؤسسة العسكرية الشيء الذي اضفى على هذه التجربة صفة التشاركية  بين مؤسسات الدولة و بنيات المجتمع.

قدم عرض الحال هذا على سبيل المثال لعرض امكانيات تبادل الخبرات و الممارسات الفعالة في التعاون و الشراكة الاستراتيجية بين ضفتي المتوسط أ حيث يبين هذا العرض الدور المتنامي للمجتمع المدني كفاعل مهم و بديل حقيقي لحالة الانسداد الذي يعرفه البناء المغاربي من جهة و الضبابية التي تعرفها علاقات التعاون الجاد بين الضفتين.

وجود قواسم مشتركة بين المجتمعات المدنية في ضفتي المتوسط فيما يخص النضال النقابي و الحكامة مثلا يمكنها ان تؤسس لدافع ايجابي لصناع القرار للتوجه نحو سياسات تشاركية اكثر خدمة للشعوب و لقضايا التعاون المشترك . ان النقاط المشتركة بين تجارب البلدان المغاربية تلتقي مع تجارب الحركات الاحتجاجية في اوربا  كحركة  المستائين في اسبانيا او حركة السترات الصفراء في فرنسا و عمل منظمات المجتمع المدني الالماني على المستوى المتوسطي يمكنها ان تساعد في بروز اشكال من العمل التضامني المشترك بين المجتمعات المدنية يكون مخالفا لحالة التنافسية او التبعية التي تميز العلاقات السياسية و الاقتصادية بين الضفتين.

من أجل مستقبل تعاوني

 في ظل حالة اللاتوازن في العلاقات بين الضفتين من خلال تعاون مبني على تغطية الاحتياجات الطاقوية المتزايدة للطرف الاوربي و انشاء سوق استهلاكية في الجنوب يبقى المتوسط في حاجة ماسة لانشاء فضاء ات للتعاون المشترك بفعل تمازج القواسم التاريخية و الاجتماعية بين الضفتين هذه المقاربة هي الوحيدة الكفيلة بتثمين مقدرات شعوب المتوسط و تبادل الخبرات و التجارب في تسيير الشأن العام و الحكامة .

بالنظر الى طبيعة الهيمنة و النفوذ التي تميز العلاقات الدولية و خاصة العلاقات بين دول الاتحاد الاوربي القوية بطابعها الاندماجي رغم الصعوبات و الازمات التي تطفو الى السطح و المتعلقة بقضايا الدفاع و الامن المشترك قضايا تسيير ازمة الهجرة السرية و تنامي الحركات التطرفية و الدول المغاربية التي لا تزال تتخبط في اشكالية توحيد الجهود لبناء مبادرات مشتركة جديرة بالوصول الى تحقيق ما يسمى ب( مغرب الشعوب) امام هذه الوضعية يمثل ثالوث المجتمع المدني مؤسسات البحث العلمي و الاصلاح المؤسساتي بديلا حقيقيا و جادا لبناء شراكة متوسطية مستدامة مبنية على الاستثمار العقلاني في الموروث المشترك و تبادل التجارب و الممارسات الفعالة

دور المجتمع المدني

يلعب المجتمع المدني في بلدان المتوسط دورا محوريا في المبادرة و الوساطة او المرافقة الاجتماعية و هذا حسب الخصوصيات السياسية و الاجتماعية في كل بلد متوسطي على حدى و الرغبة المتزايدة لدى الحكام في ترويض المجتمع المدني تارة او توجيهه بما يخدم الاجندات السياسية الظرفية التي لا تتماشى بالضرورة مع مطالب المجتمع . فالتجارب في المتوسط تبقى غنية بما تحمله من مبادرات مشجعة لإنشاء شبكات تضامن بين مختلف المنظمات المهنية الاجتماعية الشبابية او منظمات موضوعاتية كمنظمات البيئة او منظمات حقوق المرأة .

على المستوى الاجتماعي فان تبادل التجارب بين منظمات المجتمع المدني في تونس و الجزائر و المغرب من شأنه ان يدفع بالسياسيين و صناع القرار الى الدخول في مبادرات جادة لتحسين العلاقات و التوجه نحو تقارب واقعي ملموس بما يخدم مصالح الشعوب المغاربية .فالتشبيك بين الجمعيات و المنظمات المغاربية اصبحت ضرورة ملحة من اجل تبادل الممارسات الفعالة في ميادين انشاء و تسيير مشاريع التنمية بالتعاون مع الجماعات المحلية  الشيء الذي يسهم بإيجابية في ارساء الديمقراطية التشاركية الجوارية.

يمتلك مغرب الشعوب قوة مدرة للكفاءات و للذكاء و التي تتمثل في الشباب اصبح من المهم اعادة التفكير في سياسات الشباب في كل بلد مغاربي و السعي للتشبيك بين شباب المغرب عن طريق مؤسسات و جمعيات شبانيه من شأنها تثمين تجارب الشباب و تبادل الممارسات الفعالة في ميادين الثقافة الابتكار البحث العلمي تسيير المؤسسات و المبادرات المغاربية المشتركة .

تزخر الضفة الشمالية للمتوسط بتجارب مهمة جديرة بان تكون محل دراسة متابعة و تبادل مع الضفة الجنوبية، هذه التجارب تتمحور حول مواضيع تعنى بـ الحريات النقابية والشباب و المرأة ، التنمية حقوق الانسان و برامج الشباب التكوين المرافقة و المقاولاتية يمكننا التفكير في نظام تبادل التجارب بين الضفتين تسهيل التأسيس لهذا النظام على المستوى المؤسساتي السياسي سوف يكون مرحلة مهمة في التشبيك بين الضفتين .

تطوير مراكز البحث العلمي و اصلاح الجامعة

يمثل البحث العلمي احد اعمدة هذا الثالوث البديل ان الحاجة الى تبادل التجارب و المعارف تستوجب انشاء و تطوير و اصلاح الجامعة و سياسات البحث العلمي في البلدان المغاربية .و هذا يتم عبر تقوية و مرافقة الجامعة للانخراط في شبكات البحث العلمي و الاتحادات الجامعية على المستوى المتوسطي و الافريقي .ان وجود جامعات متوسطية و افريقية في البلدان المغاربية كالجامعة الاورومتوسطية  في فاس و الجامعة الفرنسية في تونس و المعهد الافريقي لتسيير الموارد المائية في تلمسان بالجزائر من شانه ان يدعم و يحفز الباحثين المغاربة حول مبادرة الجامعة المغاربية التي ستتمحور مهمتها الاساسية في الاجابة العلمية الميدانية على اشكاليات التنمية في البلدان المغاربية.

يجب العمل كذلك على انشاء شبكة جامعية مغاربية على شاكلة شبكة ايراسموس الاوربية و البحث عن امكانيات ربطه بشبكات اخرى عن طريق التوأمة و الشراكة، كل هذا من اجل تسهيل حركة الجامعيين و الباحثين في الضفتين. الاسراع في انشاء شبكات موضوعاتية كـ شبكة ابوليوس للتراث شبكة القديس اوغسطين حول دراسات اللاهوت و شبكة ابن خلدون للبحث الاجتماعي، كل هذه المبادرات من شانها ان تؤسس لنظام بحث علمي جامعي و مقاربة علمية إنصافيه بين الضفتين .

الاصلاح المؤسساتي و اخلقه الحياة السياسية

يمثل الاصلاح المؤسساتي خطوة اجبارية نحو عقلنة العمل السياسي و اخلقته و هذا على مستوى كل بلد مغاربي على حدى، اذ يمس الاصلاح المؤسساتي المؤسسات التمثيلية ومؤسسات الحكامة بالمفهوم الشامل و هذا عن طريق اصلاح سبل الولوج الى ممارسة الديمقراطية التمثيلية و الديمقراطية التشاركية .كإصلاح القوانين الانتخابية من اجل السماح بمشاركة عريضة و نزيهة في كل الاستحقاقات. إذا كان هذا الاصلاح موجها بالدرجة الاولى لإصلاح المجالس التمثيلية و البرلمانات نظرا لأهمية دورهما في العملية الديمقراطية فعملية الاصلاح هذه سوف تشمل لا محالة المجالس التمثيلية على المستوى المحلي فمقاربة التسيير المدمج للجماعات المحلية هي الكفيلة بتكريس الديمقراطية التشاركية على المستوى المحلي بمشاركة المواطن المغاربي في الحياة السياسية .

هذا الاصلاح يمر كذلك عبر اصلاح المنظومات التشريعية بما يتلاءم مع متطلبات المجتمعات المغاربية خاصة و على هذا الاساس فالتوجه سوف يكون نحو تحسين الاداءات السياسية بتنامي دور المواطن من خلال ثالوث المجتمع المدني الجامعة و مؤسسات البحث العلمي و وسائل الاعلام.

على مستوى البناء المغاربي فإصلاح مؤسسات اتحاد المغرب الكبير تبقى اولوية حيوية من اجل السماح لهدا الاتحاد بلعب دوره بما يتماشى مع السياقات السياسية الثقافية الاجتماعية و الاقتصادية المغاربية .ان مقاربة التقليد القانونية و المؤسساتية يمكن ان تكون مفيدة على مستوي الشراكات الجزئية فقط لان البناء المؤسساتي وفق السياق الخاص بكل منطقة هو وحده الكفيل بتكريس نظام وظيفي عقلاني لتسيير مؤسسات الحكامة . ان مؤسسات البناء المغاربي لا يجب ان تكون نسخة شكلية فقط لمؤسسات الجار الاوربي و لكن يجب ان تكون ممثلة للأرادات الشعبية من اجل تحقيق حلم مغرب الشعوب .

خاتمة

إن تحليل الوقائع التاريخية و الاجتماعية على مستوى المتوسط يؤدي بنا الى استنتاجات حول وجود موروث مشترك بين الضفتين فيما يخص الممارسة السياسية انظمة الحكامة، موازين القوى بين الضفتين الشراكة و التعاون و حركة الاشخاص .يؤكد نفس التحليل على اهمية التوجه نحو بناء اقطاب اندماجية حول مبادرات الحكامة التشاركية التي كانت موجودة اساسا على شكل افكار و مبادرات في اوربا و شمال افريقيا .

هذا الموروث المشترك يمكن ان يشكل شريطة تفعيله و تثمينه موردا اساسيا نحو تقارب و شراكة بين الضفتين تكون مربحة للطرفين تكون مبنية على تبادل المعارف و العلوم و استخداماتها تبادل الثروات و استغلالها بعقلانية و مسؤولية و تبادل الممارسات الفعالة و المستنبطة من التحليل المعمق للوقائع التاريخية و الاجتماعية المشتركة فالدينامية و التفاعلات الانسانية في المتوسط قد ادت الى بروز و تعاظم دور التبادل العلمي و المعرفي و تكريس انظمة من الحكامة و الشراكة. يجب ان يكون التفسير المقدم اليوم  لهذا الموروث المشترك ممهدا و منبها لضرورة التوجه نحو انماط تفاعلية جديدة للتبادل و الشراكة بين الضفتين تكون إنصافيه و آخدة بعين الاعتبار النقاط المشتركة المستوحاة من هذا الموروث المشترك.

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.