بعد بدء الملء الثاني للسد..مصر والسودان في مأزق فهل ينقذهما مجلس الأمن؟

عدد المشاهدات: 140

بدأت إثيوبيا في تنفيذ مخططها بالملء الثاني لسد النهضة، ما وضع كل من مصر والسودان في مأزق وجودي، اللذين ينتظران حلاً من مجلس الأمن تبدو فرصته شبه معدومة. فكما كان متوقعاً، أرسلت وزارة الري الإثيوبية، الإثنين 5 يوليو/تموز، خطاباً رسمياً إلى نظيرتها المصرية، يفيد بأن إثيوبيا بدأت الملء الثاني لخزان سد النهضة، وردّت القاهرة على أديس أبابا “بالرفض القاطع للإجراء الأحادي”.

ولا يعتبر هذا التطور الخاص ببدء الملء الثاني لسد النهضة مفاجئاً لأي من الأطراف أو المتابعين لأزمة السد، فإثيوبيا تواصل مخططها للانتهاء من تشييد السد، والبدء في تعبئة خزانه الضخم بالمياه، دون أن توقّع على اتفاق قانوني مُلزم يحافظ على الحقوق المائية لدولتي المصب، اعتماداً على إعلان المبادئ الذي وقَّعته الدول الثلاث في الخرطوم عام 2015، وسلسلة ممتدة من الأخطاء وسوء التقدير ارتكبتها مصر على مدى عقد من الزمان.

بدء الملء الثاني رسميا

وزير الموارد المائية والري المصري محمد عبدالعاطي، قال الإثنين إنه تلقّى خطاباً رسمياً من نظيره الإثيوبي، يفيد بأن إثيوبيا بدأت الملء الثاني لخزان سد النهضة. وجاء في بيان الوزير المصري في بيان، أنه أبلغ نظيره الإثيوبي في خطاب رسمي “برفض مصر القاطع لهذا الإجراء الأحادي، الذي يعد خرقاً صريحاً وخطيراً لاتفاق إعلان المبادئ… وسيؤدي إلى خلق وضع خطير يهدد الأمن والسلم على الصعيدين الإقليمي والدولي”.

ومن المهم هنا رصد ردود الفعل الرسمية الصادرة عن المسؤولين في القاهرة والخرطوم، بشأن التأثير الفعلي للملء الثاني على دولتي المصب وتوقيت ظهور هذا التأثير. المتحدث باسم وزارة الري المصرية محمد غانم، قال في تصريحات لقناة محلية إن حجم المياه المتراكمة (في خزان السد) سيعتمد على كمية الأمطار الموسمية التي سقطت في إثيوبيا، مضيفاً: “الدنيا لسه مش هتتضح دلوقتي (الآن)، ومش هيظهر أي تأثير دلوقتي على نهر النيل… أمامنا شهر أو شهر ونصف”.

وعقد عبدالعاطي نفسه، بعد تلقيه الإخطار الإثيوبي ببدء الملء الثاني، اجتماعاً عن بُعد مع أنجر أندرسون، مديرة برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أطلعها فيه على آثار “التصرفات الإثيوبية الأحادية على كل من مصر والسودان، خاصة إذا تزامن ملء أو تشغيل السد الإثيوبي مع فترات جفاف”، بحسب صحيفة الأهرام المصرية.

وأشار وزير الري إلى الأضرار الجسيمة التي تعرض لها السودان نتيجة الملء الأحادي في العام الماضي (الملء الأول)، حيث تسبب في معاناة السودان من حالة جفاف قاسية، أعقبتها حالة فيضان عارمة؛ لتنفيذ الجانب الإثيوبي الملء الأول للسد بدون التنسيق مع دولتى المصب، مضيفا أن إثيوبيا أطلقت كميات من المياه المحملة بالطمي خلال نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، دون إبلاغ دولتي المصب، ما تسبب في زيادة العكارة بمحطات مياه الشرب بالسودان.

وبشكل عام، يُشكّل سد النهضة تهديداً وجودياً لمصر، بحسب وصف الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي نفسه من على منبر الأمم المتحدة، في سبتمبر/أيلول 2019. وتتضاعف خطورة هذا التهديد في ظل التعنت الإثيوبي في تشييد السد وتعبئة خزانه، دون تنسيق مع دولتي المصب  حيث تتمسك أديس أبابا بإعلان المبادئ الذي وقّعه السيسي نفسه، في مارس/آذار 2015، وهو الإعلان الذي أضعف موقف مصر والسودان تماماً في هذا الملف، بحسب خبراء القانون الدولي.

ولا يمكن أيضاً تجاهل البعد السياسي والقومي الذي اتخذته أزمة سد النهضة في العامين الأخيرين، في ظل توظيف رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد للملف كمشروع وطني، يسعى من خلاله لترميم الجبهة الداخلية الممزقة بشدة. ويمثل تعرض قوات آبي أحمد للهزيمة في إقليم تيغراى مؤخراً دافعاً آخر يجعل أي مرونة من جانب حكومته في ملف سد النهضة أمراً مستبعداً تماماً.

دور مجلس الأمن

بات واضحاً الآن أن مصر والسودان يكثفان جهودهما الدبلوماسية في نيويورك -مقر مجلس الأمن- حيث يوجد هناك الآن وزير الخارجية المصري سامح شكري ونظيرته السودانية مريم الصادق المهدي، يجريان محادثات مكثفة مع أعضاء المجلس، على أمل حشد التأييد اللازم لاستصدار قرار بشأن سد النهضة، يُلزم أديس أبابا بالامتناع عن اتخاذ خطوات أحادية قبل التوصل لاتفاق قانوني ملزم.

ومن الطبيعي هنا أن تُثار تساؤلات حول ما قد تتمخض عنه جلسة مجلس الأمن، المقررة الخميس 8 يوليو/تموز، وهذا ما أشار إليه وزير الري السوداني ياسر عباس، خلال إعلانه “رفض” الخرطوم لبدء إثيوبيا الملء الثاني، حيث قال إن السودان لديه خيارات جاهزة لمواجهة الاحتمالات المتمثلة في “صدور قرار من مجلس الأمن أو اكتفاء المجلس بإصدار بيان صحفي”.

وفي حوار له مع صحيفة الأهرام المصرية، تحدّث السفير ماجد عبدالفتاح، رئيس بعثة الجامعة العربية لدى الأمم المتحدة، عن احتمالات ما قد ينتج عن جلسة مجلس الأمن بشكل تفصيلي. وقال عبدالفتاح إن السيناريوهات ثلاثة، أولها صدور قرار من المجلس، وثانيها صدور بيان صحفي، وثالثها صدور “بيان رئاسي”.

وتتركز الجهود المصرية-السودانية الآن في كواليس الأمم المتحدة ومجلس الأمن على إقناع الأعضاء بأن سد النهضة تخطى كونه قضية تنموية، وأصبح قضية “حقوق إنسان”، تؤثر سلباً على حياة أكثر من 100 مليون مواطن مصري، وأكثر من 50 مليون مواطن سوداني، وهذه هي النقطة الأساسية فيما يجري حالياً خلف الكواليس قبل عقد الجلسة المنتظرة.

ويمكن تلخيص الموقف من خلال ذلك الحوار مع السفير ماجد عبدالفتاح في أن فرصة صدور قرار من مجلس الأمن تبدو ضعيفة للغاية، في ظل اعتماد أغلب الدول على رأي الاتحاد الإفريقي في القضية، والواضح أن الدول الإفريقية ومنها كينيا والنيجر (عضوا مجلس الأمن غير الدائمين في هذه الدورة)، يميلون إلى تبني وجهة النظر الإثيوبية (أن السد قضية تنمية)، أو على أفضل تقدير يقفون على الحياد.

وفي هذا السياق، هناك جلسة مع الاتحاد الإفريقي ودولة من أمريكا اللاتينية، الثلاثاء 6 يوليو/تموز، للتوضيح أن القضية لم تعد تنموية، بحسب عبدالفتاح، مؤكداً أنه إذا “لم يوافق الـ9 أعضاء (من أصل 15 عضواً في مجلس الأمن) على إصدار قرار، فهناك بديلان أولهما الاستمرار في التفاوض وكتابة مشروع القرار، مع الأخذ في الحسبان المزيد من آراء المعترضين، ما قد يعوم القرار ويخفف من الآثار التنفيذية الموجودة فيه. والأمر الثاني في حالة عدم الحصول على 9 أصوات مؤيدة هو تجاوز مجلس الأمن للقرار والاكتفاء ببيان للصحافة، ولكن ذلك لن يكون كافياً للتعامل مع الوضع الحالي، وهذا ما ترفضه مصر والسودان، وأيضاً الحل الثالث إصدار بيان رئاسي، ولكن ذلك سيتطلب موافقة جميع أعضاء المجلس، وبالتالي ستكون لغته أضعف من البيان الصحفي.

الحل العسكري

ترسم كل هذه التطورات صورة قاتمة تماماً بشأن المأزق الذي تواجهه الآن مصر والسودان، بعد أن ضربت أديس أبابا عرض الحائط بالتهديدات التي أطلقها الرئيس عبدالفتاح السيسي أكثر من مرة، منذ نهاية مارس/آذار الماضي، وإعلانه أن “مياه النيل خط أحمر”. وقال السيسي في مارس/آذار الماضي: “أنا مبهددش حد، وعمرنا ما هددنا، وحوارنا رشيد جداً”، وتابع: “محدش هيقدر ياخد نقطة مياه من مصر، واللي عاوز يجرب يجرب.. وإلا هيبقى في حالة من عدم الاستقرار في المنطقة لا يتخيلها أحد، ومحدش يتصور إنه يقدر يبقى بعيد عن قدرتنا”.

تصريحات السيسي القوية، التي كررها في أكثر من مناسبة خلال الأشهر الماضية، ربطها الجميع بالملء الثاني للسد، وأطلقت سيلاً من التحليلات انصبت على الخيار العسكري وتوقيتاته وآليات تنفيذه، خصوصاً أن تلك التصريحات تزامنت مع تحركات عسكرية على الأرض، وتدريبات مشتركة بين الجيشين المصري والسوداني، حملت أسماء ذات مغزى “كحماة النيل”، “ونسور النيل”. لكن الآن، وقد بدأت إثيوبيا بالفعل في الملء الثاني للسد، أصبحت مسألة توقيت الخيار العسكري بمثابة معضلة حقيقية، إذ إن غالبية الخبراء العسكريين كانوا قد أكدوا على خطورة توجيه ضربة عسكرية للسد، بعد أن ترتفع كميات المياه المحجوزة في خزانه مع بداية الملء الثاني.

وكانت التعبئة الأولى للسد، التي نفذتها إثيوبيا في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قد نتج عنها حجز نحو 5 مليارات متر مكعب من المياه، ومن المفترض أن يتم حجز 13.9 مليار متر مكعب من خلال الملء الثاني، لكن تقارير إثيوبية ومصرية تحدثت أن عدم إكمال تشييد الجزء الأوسط من السد للارتفاع الذي كان مخططاً له (595 متراً، تم فقط تشييد 573 متراً منها) تعني أن الكمية المستهدف حجزها لن تكون كاملة.

فهل يعني ذلك أن نافذة الخيار العسكري قد تظل مفتوحة رغم بدء تنفيذ الملء الثاني؟ وهل يوافق السودان على الخيار العسكري، رغم مخاطر تعرضه لكميات هائلة من المياه ربما تمثل تهديداً وجودياً له؟ وهل هناك سيناريوهات عسكرية تمتلكها القيادة المصرية بالفعل في هذه المرحلة؟ هذه الأسئلة وغيرها كثير تظل معلقة بلا إجابة محددة بالطبع، فمن غير المرجح أن تقدم القاهرة أو الخرطوم أي إجابات علنية عن أي منها.

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.