المهمة الفكرية والفلسفية للحزب المعاصر (1)

عدد المشاهدات: 463

تامر المغازي يكتب: الغباء السياسي(1) – حزب غد الثورة

كتب: تامر المغازي
كاتب صحفي و عضو الهيئة العليا لحزب غد الثورة..هولندا

إن التطور الأبرز، والذي يمكن الحزب من القيام بمهامه المتباينة في سياقات الدولة الديمقراطية، حصل على المهمة الفكرية للحزب. فكرياً كانت الاحزاب تتفاضل في رؤيتها للدولة من منظور أيديولوجي. ويمكن القول بأن مفهوم الأيديولوجيا في سياق الحديث عن الاحزاب، يتناول بعدين: بعد الانحياز لفئة اجتماعية (دون اعتبار لمصالح غيرها بل وفي حالة تناحر مع غيرها)، والبعد الآخر هو في تصور الدولة التي تنحاز لفئة دون غيرها (دولة الرأسماليين، دولة الكفار، ودولة المؤمنيين، ودولة البروليتاريا). إذ يسعى الحزب الأيديولوجي لأن يأخذ كل الدولة لخدمة مصلحة الفئة التي يمثلها، وهذه مقاربة الأحزاب البلشفية. حيث كانت ديكتاتورية البروليتاريا، ضرورة لتحقيق هدف الحزب الأيديولوجي. فالنظرية البلشفية للحزب، تضمنت رؤيته لوظيفته الفكرية منبثقة عن تصور لوظيفته في (الصراع الاجتماعي).التحول هو في الانتقال من مفهوم الصراع الاجتماعي إلى مفهوم التنافس الاجتماعي الذي يحفظ وحدة الدولة والمجتمع ويصون الاستقرار عبر تحقيق التوازن. ومن مفهوم الدولة التي تبنى لتخدم مصالح فئة دون غيرها (كما تجلت في الأيديولوجيا) إلى أن تصبح الدولة لكل موطنيها.

وكان تغيير آليات عمل مؤسسات الدولة (بالنسبة للحزب البلشفي) ، مسألة مؤجلة لما بعد ضمان انحياز الدولة لهذه الفئة الاجتماعية او تلك. لذلك عبر العالم العربي، وبالرغم من السيل العارم – في مرحلة من المراحل- للكتابات السياسية الحزبية، كانت هذه الكتابات تتجنب أسئلة نظرية الدولة وآليات عملها. فكانت رؤية هذه الأحزاب تمثل استمراراً للمنطق البلشفي، الدولة تختزلها السلطة، والسلطة هي الوسيلة الوحيدة لتغيير أهداف الدولة، مع تجاهل ضرورة فهم وتحليل آليات عمل مؤسسات الدولة، وتطوير هذه الآليات. ولا بد من الاستيلاء على السلطة حتى تتغير أهداف الدولة، وفي كثير من الأحيان تبقى آليات عمل الدولة بأهدافها الجديدة، هي ذات الآليات القديمة دون تغيير. فلم يكن الشعار التعبوي الشعبي استرداد الدولة من الفئة التي تهيمن عليها لتصبح دولة كل الشعب عبر تطوير آليات عمل الدولة، بل كان الشعار استبدال الفئة المهيمنة على الدولة بفئة جديدة مع بقاء آليات عمل كما هي في السابق. حيث تعجز الأيديولوجيا عن تقديم ما يلزم للتمييز بين الدولة والسلطة. فتصبح السلطة هي الهدف، وليس قواعد ممارستها.

إلا أن التجربة في العقود الاخيرة، تقول أن الحكم، ربما في أغلب الدول العربية، وعلى الأخص في مصر ، لا يبدي تفهماً وانفتاحاً لمنطق تغيير آليات عمل مؤسسات الدولة، وتطوير قواعد ممارسة السلطة. وليس هناك انفتاح على تعديلات قانونية جوهرية لضمان مصالح فئات كانت مهمشة، او “أقل حظاً” في التعبير الجديد الذي يدل على النية في إحداث التغيير. يجب ان يكون هناك تحول وهذا يحتاج حتى يكتمل بشكل ديمقراطي سلمي إلى إبراز فكرة التوازن، والتي تجلت في العديد من محطات الحوار الوطني، ولكن دون جهود يمكن ذكرها لتحويل مفهوم التوازن إلى معيار جديد يوجه الممارسة السياسية. واولوية التوازن تلزم بان يجري التطور عبر التنافس بين الفئات المختلفة في سياق وحدة الدولة. هذا التنافس يقتضي بروز أحزاب من نوع جديد لا تتميز فقط بفكرتها وخطابها ولكن بآليات عملها. لقد عجزت الاحزاب التي تستلهم النموذج البلشفي في آليات عملها وتنظيمها الداخلي – أكانت تطالب بالتغيير والتحول الديمقراطي أو تطالب بالدفاع عن الوضع الراهن- عن أن تكون وسيلة للتطور.

فهذه الأحزاب من جهة عجزت عن طمأنة الشركاء الوطنيين بنواياها. فما يعلن من خطاب لا يترجم على شكل آليات عمل داخلية. وهذا بحد ذاته مدخل لتبرير الكثير من الشكوك. فلا يمكن لحزب يعلن أنه إصلاحي ديمقراطي ولا يطور آليات داخلية لإنتاج البرامج الإصلاحية. واستمرار البنية الداخلية (البلشفية) للحزب تمثل أهم مصدر من مصادر عدم الثقة بالأحزاب، بغض النظر عن خطابها المعلن. فحتى اكثرها تكراراً للولاء بقيت موضع شك ممن تعلن لهم الولاء. ومن جهة ثانية، عجزت هذه الاحزاب عن تقديم ما يلزم لخدمة قاعدتها الاجتماعية في التنافس من أجل تطوير مصالح هذه القواعد عبر مؤسسات الدولة. فأحد مهام الحزب هو تمكين الفئة التي يدافع الحزب عن مصالحها (فلا يوجد حزب للجميع) من خدمة هذه المصالح في سياق الدولة، وبما يضمن استقرار الدولة وتوازنها وتطورها في آن معا. لنعلن بوضوح بأن الإعلان عن الهدف وهو “بناء دولة مدنية ديمقراطية”، يجب أن يترافق مع حزب بمواصفات جديدة. إعلان الهدف لا يعني تحقيقه. وآليات العمل (وأدواتها) والسياق هي التي تحدد الهدف بشكل موضوعي يمكن الثقة به. فمن الحكم المتكررة في الأدب والأساطير وتؤكدها الوقائع: إن الادوات والقابليات تستدعي الخيارات. فما لم تترجم الخيارات والاهداف المعلنة إلى آليات عمل ومنظومة ادوات، سيبقى الشك بصدق النوايا هو سيد الموقف، وهو الذي يصوغ ممكنات العلاقة مع الأطراف الوطنية.

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.