حكايات إحسان عبدالقدوس”عذراء الشاشة”

عدد المشاهدات: 243

بقلم/ محمد عبد القدوس

لم تكن عذراء ، ولم تكن سيدة .. كانت آنسة ليست عذراء! ولم يكن المجتمع الفقير الذي نشأت فيه يلومها أو يعتبر أنها نقصت شيئاً .. بالعكس كان هذا المجتمع يقدرها ويحترمها ويعجب بها ويعتبرها فتاة كاملة .. فقد كانت أجمل بنات الحي، “وأذكاهن” وأجرأهن، واستطاعت في سنوات قليلة أن تجعل من بيتها أرقى بيت في الحي .. أثاث جديد .. ومائدة زاخرة تحمل كل يوم طبقا من اللحم .. ثم استطاعت أن تنقل البيت كله من الحي من الحارة الضيقة المظلمة إلى شارع واسع منير يسير فيه الترام!! ورغم هذا فقد كانت هي وحدها دون بقية المجتمع الفقير تشعر بمرارة ترسب في أعماقها .. لأنها ليست عذراء!!

لم يكن طموحها يكتفي بالثياب الجديدة، ولا بالحلي الثمينة، ولا بالرجال الذين يلاحقونها .. ولكنه كان طموحا أبعد من ذلك .. كانت تريد أن تكون عذراء .. بنتا كبقية بنات العائلات! وواصلت نجاحها مستندة على ذكائها وجمالها وهي دائماً تحمل المرارة في أعماقها .. إلى أن أشتغلت في السينما .. وعهد إليها بدور البطلة في فيلم بطلته عذراء .. واندمجت في دورها .. أحست وهي تتحرك أمام الكاميرا وسلط الأضواء أنها فعلاً عذراء .. وأنها تخلصت من المرارة التي ترسب في أعماقها .. وخرجت من الاستوديو وهي لا تزال مندمجة في دورها .. تسير في مشية العذارى.

وتتكلم كما تتكلم العذراى، واحمر وجنتاها لكلمة إعجاب كما تحمر وجنات العذارى .. ونجحت في دورها نجاحاً باهراً .. ولاحقها المنتجون السينمائيون، ولم تكن لها شروط إلا أن يكون الدور الذي تمثله دور فتاة عذراء .. لم يكن لها شروط أخرى .. فقط أن تكون عذراء، واستمر نجاحها .. واقتنع الجمهور بأنها عذراء .. ثم اقتنعت هي نفسها أنها فعلاً عذراء!! شيء واحد كان يحير الناس، فقد كانت الإشاعات تنسبها كل يوم إلى رجل تحبه أو توشك أن تتزوجه .. كل يوم أو كل أسبوع أو كل شهر تجد الإشاعات رجلاً جديداً تنسبه إليها .. ولم تكن مجرد إشاعات .. كان هناك فعلاً رجال كثيرون، وكانت لا تلبث أن تطردهم من حياتها الواحد تلو الآخر .. كانت تطرد من حياتها كل رجل يكتشف أنها ليست عذراء، ويقنعها بأنها ليست عذراء.

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.