الأمير وأسباب نجاح الحزب المعاصر

عدد المشاهدات: 447

 

فلسطين تنتصر ونتنياهو يجر أذيال الهزيمة – حزب غد الثورة

بقلم : تامر المغازي

كاتب صحفي و عضو الهيئة العليا لحزب غد الثورة . هولندا

ولكن نجاح الحزب له تعريف واضح، وهذا التعريف معلق بالإثبات أن الحزب قادر على أن يكون وسيلة يمكن الوثوق بها للتحول الديمقراطي. وسيلة تقدم حلاً لمعادلة التطوير والاستقرار ومن هنا فإن الحزب الديمقراطي في مرحلة التحول الديمقراطي، مطالب بأن لا يضع شروطاً مسبقة على البيئة التي سيمارس نشاطه فيها، بل عليه، أن يتكيف ويحافظ على تماسكه، ويستثمر الهامش الديمقراطي المتاح ويوسعه عبر عملية سلمية آمنة، وأن يتقدم على المسارات الثلاثة لفاعليته كحزب: التماسك والاستمرار، حشد التأييد الشعبي، وتقديم ما يلزم من منتج فكري ضروري للتحول الديمقراطي الآمن.

من هنا يمكن البدء بمناقشة مفهوم الحزب الديمقراطي من خلال مهمته المركزية. وتوضيح هذا المفهوم بإظهار تميزه عن الحزب الثوري (البلشفي)، وعن الأحزاب الشكلية ( وما اكثرها في مصر ) التي تنشأ لوظيفة سياسية، وهي تجميل النظم السياسية التي لا تسعى للديمقراطية. إذ أن توفير هامش للحزب الديمقراطي في ظل أي نظام يتقدم نحو الديمقراطية، هو الشرط الوحيد المسبق للحزب الديمقراطي حتى ينشأ. وقدرة هذا الحزب على المشاركة بشكل واعي بتقديم حلول فكرية وتعبوية لمعادلة التطور والإصلاح والحفاظ على الاستقرار بذات الوقت، هي مهمة الحزب حتى يستثمر الفرصة لخدمة وطنه وشعبه.

ترافق نشوء فكرة الحزب كما نعرفها الآن مع نشوء وتطور الدولة الحديثة. صحيح أن هناك جماعات فكرية سياسية ظهرت عبر التاريخ بصيغ مختلفة لها ملامح حزبية، يذكر منها، حركة الحشاشين، وبعض الحركات الصوفية التي ظهرت في العديد من الاديان (التصوف لم يكون يوماً حكراً على دين معين)، اضافة إلى التنظيمات السرية في عصر الحروب الدينية في أوروبا، ولكن الحزب كمكون من مكونات المشهد السياسي ارتبط بتطور الدولة الحديثة خلال القرن التاسع عشر.

ومن أولى الحركات التي أخذت طابع فكري ـ سياسي في مستهل مشروع التحديث هي الحركة الرشدية في أوروبا. حيث نشأت حلقات لتداول أفكار ابن رشد، وكانت عضوية أي من هذه الحلقات مجلبة لحكم الإعدام (إما سريع ورحيم أو بالتعذيب المفضي للموت). وتطورت هذه الحلقات إلى أشكال مختلفة، أهمها ما ظهر في القرن السابع عشر، وهي جمعيات العلماء والباحثين، التي ظهرت في بريطانيا (مثل جمعية لندن، وجمعية القمر في بيرمنغهام)، وساهمت بتطوير الثورة العلمية.

ويمكن المغامرة بالقول أن الحزب السياسي الذي نشأ وتطور في سياق نشوء وتطور الدولة الحديثة، كانت له وظيفة مركزية، وهي تنظيم العلاقة بين الأفراد والجماعات وبين الدولة. إذ أن عقلنة المطالب وترشيدها، وانتزاع الاعتراف بها في ذات الوقت، هي مركبة عمل الاحزاب ضمن خط العلاقة بين السلطة والمجتمع. فأهم ميزات الدولة الحديثة هو قدرتها على تجاوز لحظة نشؤوها دون أن تتعرض لانقطاع او انهيار. فما ميزها هو تجاوز الامير الذكي القوي العارف الذي انشأها، فلم يعد هذا الامير قادر على إدارة الدولة التي أنشأها منفرداً. فالتطورات التاريخية تقدم الكثير من الشواهد على أن الأمير (كما تصوره ميكافيلي) ضرورة لنشوء الدولة الحديثة، ولكنه لن يستطيع إدارتها بكفائة منفرداً. فكما كان السلاطين والاقطاعيين ضرورة لتنظيم العلاقة بين مركز الدولة ومكوناتها (الجغرافية والسكانية) وذلك باستمرار الدعوة للخليفة على منابر المساجد، فإن الحزب أصبح ضرورة لتنظيم العلاقة بين مركز الدولة ومكوناتها الاجتماعية من خلال التعبير عن القيم المشتركة لكل مكونات الدولة، مع التمسك بالدفاع عن مصالح فئة من فئات المجتمع ضمن منطق الدولة وليس بالتضاد معها. معضلة الاحزاب، أنهم لم يبلوروا للآن رمزية فاعلة (مثل الدعوة للخليفة على المنابر كمهمة السلاطين في زمن الخلافة) تبقي علاقتهم بقواعدهم الشعبية في سياق الدولة وضمن منطقها. فهناك تعقيد لا يسلم نفسه بسهولة للاختزالية الرمزية. وهناك أزمة ثقة متراكمة، وصلت إلى السؤال والتشكيك بالنوايا بغض النظر عن كل ما يعلن، تحتاج إلى مقاربات إبداعية لتجاوزها. ولكن تمسك الحزب بحقوق المواطنين جميعا بدون تمييز، هو عنوان ديمقراطيته. فدون هذا التمسك هو ياخذ جماهيره إلى طريق مجهولة.

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.