اضطراب القلق المزمن: أن تأكلك الأفكار حيًّا

عدد المشاهدات: 394

هل تعانون من القلق؟ هل تقلقون حيال مواقف مضت، ومواقف مستقبلية لم تحدث بعد؟ هل تقتحم الأفكار غرف نومكم ليلًا ولا تغادر في الصباح؟ هل تطورت أفكاركم لتتحول إلى وحوش بدون مروّض في عقولكم؟ هل تمادت هذه الوحوش مرات عدة ونهشت في أجسامكم؟ إن كنتم تعانون من اضطراب القلق المرضي، أو لا، فنصيحتنا أن تقرأوا السطور التالية بعناية.

يُعرّف اضطراب القلق المرضي وفقًا لـ «منظمة الصحة النفسية الأمريكية (APA)»: بأنه شعور مزمن بالقلق والشد العصبي، وقد يصحبه تغيرات جسدية مثل زيادة ضغط الدم أو ضربات القلب السريعة. ويعتبر واحدًا من أكثر الأمراض العقلية انتشارًا في العالم.

يتحول القلق العادي إلى قلق مرضي عندما يفكر الأشخاص في الأشياء لدرجة قد تعيق مواصلة حياتهم اليومية؛ لأن التفكير الزائد يتغذى على طاقتهم الذهنية والجسدية. يتحول العقل إلى ساحة حرب مفتوحة لكل هذه الأفكار المتضاربة وتكون مكثفة لدرجة تعيق العقل عن استيعاب القلق وتمريره. وهذه الحرب يُضاف إليها جولات جديدة بحدوث مواقف جديدة، بالأخص إن ارتبطت في ذهن المُتعايشين مع الاضطراب بأحداث صادمة أو مواقف مؤلمة؛ مما يُكثف من حدة الأفكار وسرعتها. لهذا السبب، قد يلجأون إلى تجنب مواقف بعينها.

أنواع اضرابات القلق المرضي

يُشير «الاتحاد الأمريكي للأطباء النفسيين (APA)» إلى أن هناك أنواعًا عدة من اضطراب القلق المرضي، منها: القلق العام: القلق المستمر تجاه أشياء لا تسبب هذا القلق في العادي. مثال: التفكير المبالغ فيه عن وجبة اليوم، أو الترتيب الدقيق للمواعيد، وقد يصحبها أعراض جسدية مثل التعرّق أو الشد العضلي.

الرهاب الاجتماعي: الشعور بعدم الراحة من الحضور في التجمعات حتى المألوفة منها، كالأصدقاء أو العائلة، أو التعرّف على أشخاص جدد. القلق من حدوث مواقف قد تتسبب في الإحراج، أو الرفض، مما يؤثر على العلاقات الاجتماعية للمُتعايشين. يميل المُتعايشون مع الرهاب الاجتماعي إلى تطوير آلية خاصة لتجنب هذه المواقف الاجتماعية، مثل الانخراط المبالغ فيه في العمل أو الدراسة.

التعلق المرضي: يُعاني المُتعايشون من مخاوف خاصة بالانفصال عن أشياء، أماكن، أو أشخاص يحبونهم. لذلك، نجدهم أغلب الوقت يعبرون عن مخاوفهم التي تدفعهم أحيانًا إلى محاصرة الأمور التي يتعلقون بها؛ خوفًا من فقدانها. وقد يختبرون كوابيس وأحلام يقظة مزعجة عن الانفصال؛ كأن يحلم أحدهم باختطاف/موت مَن يُحب، أو ضياع حيوانه الأليف.

الخوف المرضي (الفوبيا): هو خوف دائم من أشياء بعينها، مثل الأماكن المُرتفعة أو الزحام. قد يتطور إن كان مُتعلقًا بصدمة، فتُصبح كل الأشياء المُتعلقة بالصدمة مصدر خوف للمُتعايش. وقد يصبح أكثر عنفًا؛ كالخوف من عدم القدرة على الهرب مما يُمثل مصدرًا للخوف، كالقلق من توقف المصعد بين طابقين. وقد يصل إلى طلب المُتعايش عدم مغادرة المُتعايش للمنزل نهائيًا؛ لتفادي الخطر.

الهلع: هي نوبات من الذعر والشعور بالعجز والتهديد قد تحدث نتيجة لحالة قلق مُستمرة، لا يقدر المُتعايش على التعاطي معها، وقد تحدث بسبب صدمة ما، أو بلا سبب. في نوبة الهلع، يختبر المُتعايش شعورًا بالتهديد من شيء موجود أو غير موجود، يصحبه شعور بالعجز والخوف الشديدين. هذه الأعراض في الغالب يصحبها: تسارع في ضربات القلب، زيادة في ضغط الدم، تشنجات وشد عضلي، قيء، دوار، فقدان القدرة على التنفس، الشعور بأنك على حافة، ضم صوابع اليد الواحدة، اتخاذ وضع الجنين أثناء النوبة، الخوف من الموت.

الأعراض المشتركة لاضطرابات القلق المرضي

اضطراب القلق هو المظلة الكبرى التي تندرج تحتها هذه الأنواع المتخصصة من الاضرابات. وتختلف تجربة اضطراب القلق من مُتعايش لآخر، وفقًا للتشخيص. كما قد يجمع بعض المُتعايشين بين واحد أو أكثر من هذه الأنواع، وفي مراحل متقدمة، يجمع المُتعايش بين جميعها.

نوبة القلق – Anxiety attack

اضطرابات القلق المرضي مزمنة، بمعنى أنها مستمرة، لكن تتفاوت في درجة كثافتها وفقًا للمواقف التي يختبرها المُتعايش. للتوضيح أكثر، القلق المرضي حاضر في خلفية الأحداث اليومية للمُتعايشين، لكن في مواقف بعينها تتزايد حدة القلق، ويصبح حالة نفس-جسدية Psycho-Physical. تتسم نوبة القلق بالتوتر الزائد، والتفكير المستمر الذي قد يصل إلى الأرق، وقد يتخلل التفكير ساعات النوم. النوم هو الحالة التي يرتاح فيها العقل من التفكير، لكن في نوبة القلق لا تكون الأمور بهذه السهولة، حيث يستمر التفكير حتى أثناء النوم، ويستيقظ المُتعايش وعقله في حاجة إلى الراحة.

تقول س.ع: «أما بيحصل موقف يوترني أو أكون مستنية حاجة مهمة بتجيلي نوبة قلق. عقلي مبيرتاحش أبدا وببقى حاسة أني هتجنن من التفكير ومش عارفة أبطل تفكير برضو، وببقى حساسة جدا وعصبية. قلبي بيدق بطريقة غريبة وكأن في مصيبة، رغم إن مفيش حاجة لسه حصلت».

يزداد التأهب والترقب للمواقف بدرجة عالية، ويكون الجسم متحفزًا لصد هجوم ما، لا يعرف مصدره. في هذه الأثناء يحدث خلل في وظائف الجسم، كعدم انتظام ضربات القلب وعمليات التنفس والإخراج. كما يُصاحب نوبة القلق ألم مستمر في المعدة وأحيانًا القولون، بخِلاف الصداع. تصبح طاقة الجسم مُهدرة بالكامل في محاربة القلق؛ لذلك، تقل الطاقة الإنتاجية للمُتعايشين ويندمجون اجتماعيًا بدرجة أقل، أو ينعزلون تمامًا. قد تتطور نوبة القلق، لتصل لمرحلة متقدمة، وهي نوبة الهلع.

نوبة الهلع – Panic Attack

قد تستغرق نوبة القلق أيامًا، وقد تستغرق دقائق معدودة قبل أن تتحول إلى نوبة هلع. نوبة الهلع هي عرَض جسدي لحالة العقل الذي يفشل في التعامل مع مُسببات القلق، فيلجأ إلى محاولة التنفيس عن طريق الجسم. تختص نوبة الهلع بأنها حالة فقدان كاملة للسيطرة على الجسم، تصل إلى الغياب عن الوعي. تتشابه أعراض نوبة القلق مع نوبة الهلع، لكن الأخيرة تكون أكثر توحشًا وعنفًا.

نتيجة للشد العضلي، قد يتحول جسم المُتعايش إلى قطعة واحدة صلبة، مع اهتزازات للجسم، تتحول إلى تشنجات وانقباضات عنيفة. يتحول ضيق التنفس إلى إحساس بالموت، نتيجة لعدم قدرة المُتعايش على ضخ كمية أكسجين مناسبة للتغيرات الجسدية الفُجائية التي تُصاحب النوبة. وقد يترتب على ذلك هلاوس بصرية أو سمعية عن مُسبب القلق، بالأخص إن كان صدمة.

في نوبة الهلع ينسحق الجسد في العقل. تتجمع كل المخاوف في ذهن المُصابين بالنوبة، وتتآلف لتكون مخلوقًا خياليًّا، يتمنى العقل لو بإمكانه الهرب، فيحاول تخطي الجسد للخارج. في تخطّيه للجسد، يتحول الجسد نفسه إلى أداة مرور، أو تمثيل لما يدور داخل العقل في هذه اللحظة. تُطال نوبة الهلع المُتعايشين مع اضطرابات أخرى، كاضطراب الاكتئاب أو ثنائي القطبين، وغيرهما. وتشيع بين المصابين باضطراب كرب ما بعد الصدمة Post-Traumatic Stress Disorder.

مَن يُصاب باضطرابات القلق المرضي؟

تقول د. أناسيا محمود – طبيبة مقيمة بمستشفى العباسية للصحة النفسية بالقاهرة- إن الإصابة بالاضطرابات العقلية والنفسية تتوقف على عدة عوامل، منها التوارث من خلال الجينات، ومنها المتعلق بالبيئة المحيطة. كما أنها مزمنة، أي أن تلقي العلاج الكيميائي والسلوكي لا يتسبب في تعافٍ تام، ولكنه يُحسّن من قدرة العقل على التعامل مع مُسبب القلق.

تستكمل الطبيبة: «قد يحمل الفرد جينات القلق المرضي، لكن لا يعني هذا ضرورة الإصابة بالاضطراب؛ حيث تعتمد الإصابة على الظروف الحياتية للشخص، ومدى استعداده لتطوير هذه الاضطرابات وبناء عليه، تختلف حدتها من شخص لآخر. وقد يكون بسبب تراكمات لمواقف ضاغطة أثرت على قدرة الشخص على التعامل مع الضغط بوجه عام، أو نتجت عن التعرض لصدمة شديدة، أو عَرض لاضطراب عقلي آخر. كما أن هناك حالات طوّرت الاضطراب دون موارثة جينية أو حتى أسباب واضحة، وتتعرض له النساء بشكل أكبر».

وفقًا لـ «منظمة الصحة العالمية (WHO)»: يُصاب بالاضطرابات العقلية نسبة تصل إلى 85% من سكان دول الجنوب العالمي، أو ما يُطلق عليها الدول النامية. تؤثر الاضطرابات ليس فقط على المُتعايشين معها، ولكن على دوائرهم القريبة، وقد تمتد لتشمل بيئة العمل والتضامن الاجتماعي بين المواطنين، وقد تؤثر على قرارات سياسية.

اضطرابات القلق المرضي والوصمة الاجتماعية

قد يوصم المُتعايشون مع إضطرابات القلق بالـ (الزن – التركيز في التفاصيل – التكرار- الطاقة المُستنزفة – الانطوائية – الدرامية). يستقبل الغالبية العظمى منّا هذه الوصمات كأنها صفات شخصية، لكنها أعراض مُصاحبة لاضطرابات القلق، وقد لا يعي المُتعايشون أنفسهم وجود الاضطراب.

وصم المُتعايشين مع الاضطراب يجعلهم أكثر عُرضة لمراحله المتقدمة، لأنهم قد يتجنبون التعبير عن أنفسهم حتى لا يُوصَمُون، مما يزيد من حدة الاضطراب نفسه. المُتعايشون يسألون أنفسهم باستمرار عمّا إن كانوا بالفعل دراميين، مُقصّرين، أو مُبالغين في أفعالهم، مما يؤثر على محاولاتهم التعافي أو اكتشاف الاضطراب من الأصل.

اضطراب القلق من منظور إنساني

الآن، إن كنتم أنتم/ أحد المقربين منكم مُتعايشين مع الاضطراب، أو اكتشفتم ذلك للتو؛ فمن المهم معرفة النقاط التالية:

  • الإلحاح: لا تلحوا بطلب العلاج؛ لأن رفض العلاج جزء من الاضطراب.
  • النجاة: المُتعايش مع اضطراب القلق يحاول النجاة طيلة الوقت من أفكاره، لذلك طاقتهم مُستنزفة بالكامل داخليًّا. لذا يتحول كل ما هو مصدر للقلق إلى مُستهلك آخر لطاقتهم، فيبعدون عنه.
  • اللوم: تجنبوا اللوم نهائيًّا، وثقوا تمامًا أن هؤلاء فكّروا كثيرًا قبل أي خطوة اتخذوها. تعاملوا مع الخطوة ومع ما حدث، وليس ما كان بإمكانهم فعله، ولم يفعلوا.
  • الاتهام بالتقصير: المُتعايشون يعرفون جيدًا أنهم لا يندمجون اجتماعيًّا بالقدر الكافي، وفي حالة مقاومة دائمة للانعزال. لذلك؛ هم في احتياج لأشخاص متفهمين وغير ضاغطين.
  • المُبالغة: ما يشعُر به المُتعايشون، حقيقي تمامًا. نحّوا وجهات نظركم وخبراتكم الشخصية جانبًا، وتعاملوا مع ما يُعبّرون عنه، فقط.
  • الإرهاق: لا تتسببوا في إرهاق عقول المُتعايشين بأفكار زائدة. كونوا مُحددين، واضحين، وأكثر إنسانية.
  • الاستيعاب: هؤلاء في حاجة إلى استيعاب دائم، وتفهّم مستمر. هذا لا يعني أن تتفانوا من أجلهم، ولكن يُمكنكم فقط ألا تتسببوا في مزيد من القلق.
  • في نوبة القلق: كونوا أكثر حساسية تجاههم عن أي وقت سابق. طمأنوهم أنكم متفهمون لما يمرون به الآن. ولا تقولوا إن كل شيء على ما يُرام، هم في نوبة القلق لأن الأمور ليست على ما يُرام.
  • في نوبة الهلع: كونوا أمانهم. استعينوا بأشخاص يثقون بهم، وقبل عرض المساعدة حتى الطبية، اسألوهم إن كانوا بحاجة إليها أولًا، إلا في حالات الطوارئ كفقدان الوعي التام. الاضطرابات العقلية حقيقية، فلنعطِ أنفسنا والآخرين فرصة للنجاة ومحاولات التعايش.
  • المصدر/ إضاءات
التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.