وسط احتمالية التقارب بين البلدين..ما مدى تعاطي نظام السيسي مع التصريحات التركية؟

تصريحات دبلوماسية تزداد وتيرتها منذ يومين بين كل من مصر وتركيا حول تقارب العلاقات بين البلدين، كما كشفت مصادر دبلوماسية مصرية أن مناقشات تجري بالتزامن مع تلك التصريحات بين دائرة عبد الفتاح السيسي وقيادات استخباراتية ودبلوماسية مع مساعدين لولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، حول طريقة التعاطي مع التصريحات التركية التي تحمل مؤشرات إيجابية تجاه مصر والسعودية والإمارات وفرنسا، بالتوازي مع المناقشات التي تدور في المجال ذاته بين القاهرة وباريس.

خطوات مصرية

وقال الباحث علي باكر المتخصص في العلاقات التركية العربية في مقال على موقع “ميدل إيست أى” إن القاهرة ربما تتطلع لتحقيق مكاسب باستخدام أنقرة لاستعادة قيمتها في نظر شركائها الإقليميين، أو تهدف إلى إقامة توازن دقيق مع إبقاء خياراتها مفتوحة مع تركيا من أجل تأمين أقصى حد من المكاسب مع الجميع. وأشار باكر  إلى أن ما ذكره عن مصر قد يفسر إرسال القاهرة أحيانا رسائل مختلطة أو متضاربة، لأنها تريد الانفتاح على تركيا من دون أن تفقد دعم الآخرين (الإمارات وإسرائيل واليونان).

وأضاف أن القاهرة أدخلت مؤخرا تغييرات على سياستها تجاه ليبيا جعلتها أقرب إلى أنقرة؛ فقد اتخذت مصر عددا من الخطوات، ومنها إرسال وفد دبلوماسي وأمني رفيع المستوى إلى طرابلس، وإعلانها خططا لإعادة افتتاح سفارتها لأول مرة منذ 2014. وقال باكر إن أنقرة فهمت الخطوات المصرية على أنها رسائل إيجابية، ولم تمررها مرور الكرام؛ فقد أكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في الثالث من الشهر الجاري المصالح المشتركة بين بلاده ومصر، مشيرا إلى استعداد تركيا للتفاوض والتوقيع على اتفاقية الاختصاص البحري مع القاهرة.

شروط لعودة العلاقات 

ووصفت المصادر  المطلعة الاتصالات بين الجانبين بأنها أقل اتساعاً وتأثيراً حتى الآن مما تعكسه التصريحات التركية، التي تتعمد بث إشارات تفاؤلية لأسباب إقليمية ودعائية. وفي المقابل، فإن تلك التصريحات أعمق مما عكسه البيان المصري المتحفظ الذي صدر مساء أول من أمس الجمعة، واضعاً بعض الشروط للارتقاء بمستوى العلاقات، نافياً أن تكون مجمدة، ومؤكداً وجود أواصر مشتركة بين الشعبين. بعض هذه الاتصالات، بحسب المصادر، كان مباشراً على مستويات محدودة، والبعض الآخر غير مباشر من خلال عواصم غربية “حريصة على علاقاتها بالدولتين”، ولم يتم خلالها التطرق إلى مسألة ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، ولكنها دارت حول الشروط المصرية لتطوير الاتصالات. بحسب العربي الجديد

وجاء على رأس المواضيع المتداولة ضرورة وقف التدخل العسكري في ليبيا ووقف دعم الأطراف المتنازعة عسكرياً ولوجستياً والاقتصار على التعامل السياسي والدعم المالي، ومسألة استضافة تركيا للمعارضين المصريين وتسليمها المطلوبين المحكومين غيابياً للقضاء المصري، بالإضافة إلى مسألة العلاقات مع قبرص واليونان ومدى إمكانية تراجع أنقرة عن اتفاقية ترسيم الحدود مع حكومة الوفاق الليبية السابقة. في المقابل يبحث الثلاثي المصري ـ القبرصي ـ اليوناني انضمام تركيا، بشروط معينة، إلى منتدى شرق المتوسط للغاز، الأمر الذي لا تمانع فيه أيضاً دولة الاحتلال الإسرائيلي.

وذكرت المصادر أن الاتصالات المباشرة وغير المباشرة لا يمكن التكهن بمدى إيجابيتها في الوقت الحالي، ليس فقط بسبب الشروط ومحددات كل طرف ومتطلباته الاستراتيجية، بل أيضاً بسبب الشروط والمتطلبات الخاصة بدول أخرى وعلى رأسها الإمارات. وأكدت المصادر أن الموقف الإماراتي في المناقشات الأخيرة مع مصر حول الاتصالات مع تركيا “يحاول إبطاء وتيرة التفاهمات التي تتمنى تركيا أن تكون سريعة”، وذلك من خلال طرح احتمالات مختلفة للاستفادة التركية من “إعادة تموضعها في المنطقة وتحسين علاقاتها الإقليمية”، من دون أن تسحب نفسها بشكل جذري من ليبيا وسورية والعراق. وأشارت المصادر إلى أن الاتجاه الإماراتي في هذا الصدد أكثر راديكالية ضد تركيا من السعودية التي تلقت من أردوغان تصريحات إيجابية أيضاً. وهذا الاتجاه يجد صدى في دائرة صنع القرار في مصر بحسب المصادر، لأن “السيسي يأخذ تصريحات أردوغان ضده منذ سنوات على محمل شخصي، وهو أمر يبدو الأتراك قد تجاوزوه ويرغبون في تخفيف آثاره بالفعل”.

داخل منقسم

أما الوضع داخل النظام المصري ذاته فيبدو منقسماً إزاء ما يحدث، إذ تبدو الشخصيات الدبلوماسية والاقتصادية والقيادات الاستخباراتية القديمة أكثر ميلاً لتطوير العلاقات، مقارنة بمؤسسة الرئاسة والقيادات الاستخباراتية الجديدة المنقولة من الجيش حديثاً وكذلك الأمنية. وهو “تقسيم” قارنت المصادر بينه وبين ما حدث خلال الأيام السابقة على قمة العلا الخليجية في يناير/كانون الثاني الماضي، من اختلاف في الرأي إزاء المصالحة مع قطر.

ومن المقرر أن يزور مصر وفد من حزب “الشعب الجمهوري”، أكبر حزب معارض في تركيا، خلال الشهر الحالي أو الشهر المقبل. وقال مصدر دبلوماسي مصري إن “هناك محاولات داخل البرلمان التركي من قيادات بالأغلبية لأن يتم توسيع الوفد ليشمل عدداً من نواب الحزب الحاكم، بهدف استئناف العلاقات البرلمانية بين البلدين، لتساعد في دفع الاتصالات الحالية”. بدوره، ذكر مصدر رسمي مصري، مساء أول من أمس الجمعة، في بيان نشرته وكالة الأنباء الرسمية، إنه ليس هناك ما يمكن أن يطلق عليه توصيف استئناف الاتصالات الدبلوماسية أخذاً في الاعتبار أن البعثتين الدبلوماسيتين المصرية والتركية موجودتان على مستوى القائمين بالأعمال اللذين يتواصلان مع دولة الاعتماد وفقاً للأعراف الدبلوماسية المتبعة.

ووجّه المصدر الرسمي انتقاداً مبطناً للسياسات التركية، سيراً على سابق التصريحات الصادرة في هذا الشأن من وزير الخارجية المصري سامح شكري، قائلاً إن “الارتقاء بمستوى العلاقة بين البلدين يتطلب مراعاة الأطر القانونية والدبلوماسية التي تحكم العلاقات بين الدول على أساس احترام مبدأ السيادة ومقتضيات الأمن القومي العربي، ومصر تتوقع من أي دولة تتطلع إلى إقامة علاقات طبيعية معها أن تلتزم بقواعد القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار وأن تكف عن محاولات التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة”.

اجمالى القراءات 30,113 , القراءات اليوم 187