القَرَارات الصعبَة وصِنَاعة المصَير

نتيجة بحث الصور عن حسام الغمري

بقلم / حسام الغمري

الأممُ الراسخةُ ليست تلك التي لم تَتَعرض لاختباراتٍ قاسية، ولكنها هي الأممُ التي تَعرِف كيفَ تَصمد أمام الأمواجِ العاتية مهما بدت واثقة ، وتحشد ميراثهَا الحضاري والثقافي وتَستدعي المَخزون النضاليّ بحسمٍ وشجاعةٍ لمواجهة الأخطار بعد دوي أجراس الإنذار ، لتضبِط عقارب الساعة صوب الاتجاة الصحيح وصناعة المصير .

لقد استيقَظ الشعبُ البريطانيّ يوما ليَجدَ قذائف هتلر تنهالُ على لندن العاصمة التي لم تكن قد تعرضت قبل ذلك لإعتداءاتٍ تُذكر ، لقد توقع هتلر أن تنهارَ معنويات الشعب البريطاني بسبب الغارات المستمرة وصور الحرائق وأطنان الركام للمباني المهُدمة ، توقع أن تَضعُف العزائم وإرادَة المواجهة ، وأن يخضع تشرشل لخطة هتلر للسلام بطعم الإستسلام ، ولكن تشرشل قالها خالدة للتاريخ ولمن يريد أن يتعلم من دروسه وحكمه .

  • اذا هُزِمنا سيأتي جيلٌ يثأر لنا وينتصر ، ولكن اذا استَسلمنا ستُغتال روح الامبراطورية للأبد

الفرنسيين أيضا استيقظوا على نبأ إنهيار خطوطَهم الدفاعية وسقوط عاصِمَتهم  ” باريس ” بعد أسابيع قليلة من اندلاع القتال ، ثم استيقظ على حكومةٍ موالية لهتلر في الجنوب، وكلها مؤشراتٌ قد تدل على اندحارِ الأمة الفرنسية للأبد، ولكن بصمود بعض الأحرار خارج فرنسا تم تكوين حكومة مَنفى، سعت بمساعدة القوى الحية التي رفضت الاستسلام داخل فرنسا إلى طردِ المحُتل ولقد نجحت في ذلك.

والحق أقول أن الشعبَ المصريّ عبر تاريخهِ الطويل قد تمَكن من اتخاذِ القرارات الصعبة في اللحظاتِ الفارقة لصناعةِ المصير ، أو دعونا نَقول لإنقاذِ المصير ، فلقد اشعلنا ثورتين كبيرتين ضدَ المحتلِ الفرنسي عام 1798 م و 1801 م ، وأجبرنا بريطانيا العظمى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى على إعلان سيادتنا واستقلالنا عام 1922 م  ، كما تظاهرنا ضد الملك فاروق وعبد الناصر والسادات ومبارك ومرسي والسيسي.

واليوم ، نواجه لحظة تاريخية ، نواجه المستقبل كلهُ والمصير ، فالارتفاع الجنونيّ في الدينِ الخارجي ، واهدار قيمة تلك القروض في مشاريع اسمنتية ، واقتراب موعد الملء الثاني لسد النهضة الذي شرعنه السيسي لمصلحة أثيوبيا بتوقيعٍ يخالفُ أحكامَ الدستور ، وهي جريمة خيانة عظمى – سنحاسبه عليها في يوم قريب ان شاء الله –  والتوسع في بناءِ السجونِ والمعتقلات لإهراق الروح المصرية ، وغض الطرف عن انتشار المخدرات ، وغيرها من الأمراض الاجتماعية التي غذتها السلطة لضمان تدجين الجيل الحالي من الشباب ، وهو الجيل الذي تَفَتَحت مداركه على أرتامِ ثورةِ يناير ، وصدمة التفريطِ في جزيرتي تيران وصنافير الاستراتيجية ، وتهميش دور الدولة في حلايب المصرية ، وتركيع الشعب بغلاءٍ موجعٍ في الأسعار ، وتنفير الناس من مؤسسات كدار الافتاء ، والشرطة ، والجيش ، والقضاء ، والكنيسة ، ومحاولات حصار الأزهر ، والسيطرة التامة على الاعلام داخل مصر ، والدراما ، مما أفقد مِصرَ قوتها الناعمة .

كل تلك الكوارث وغيرِها من شأنها أن تدفع الشعب المصري للسعى وراء لحظة صدق مع النفس ، ثم يُقَرر بعدها ما الذي يُتَوقع حدوثه اذا مُنح السيسي مزيداً من الوقتِ مستلبا حقوقَ المصريين في حكم ديمقراطي دستوري تشاركي؟

ما الذي يُتَوقع حدوثه اذا تركناه يُعَظِم من شِأن جدار الخوفِ الذي وَضَعَ أساساته بمذابح مروعة؟

ما الذي يُتَوقع حدوثه للطبقةِ المتوسطةِ التي يكمن فيها مخزون القيم والابداع والنكهة المصرية الأصيلة؟

ما الذي يُتَوقع للإقتصاد المصري الذي كبَلَه لأجيالٍ بقروضٍ لم تِستِفد منها غالبية أفراد الشعب؟

ما الذي يُتَوقع حدوثه للتعليمِ والصحةِ والقضاء والمؤسسات الدينية؟

بل ماذا يُتوقع للسلمِ الأهلي وأخلاقِ الناس؟

ان استمرار الأوضاع الحالية دون هبةٍ شعبية تنتزع زمامَ المبادرةِ ، وتُسقط هذا العقد الاجتماعي البغيض – ولا أظنه كان كذلك ليوم واحد – لهو قرارٌ بتسليم مصر إلى أعدائِها بعد نزع وتدمير كل قواها الكامنة ، وقدراتها على المواجهة والصمود الذي قهرَ كلَ الغزاةِ عبرَ التاريخ.

لقد جاء الوقت الذي يجب أن يَستجيب فيه الشارع لنداءاتِ المعارضة المصرية الوطنية في الخارج ، التي تتحمل مسؤولية أنها القوى الوطنية الوحيدة الموجودة خارج سيطرة القبضة الأمنية الهمجية للسيسي  ، هذه الاستجابة باتت مسؤولية تاريخية ، والتزام أخلاقي ، وقبل كل ذلك وبعده ، اعتذار الي الرب الخالق العلي القدير الذي خلق الانسان ليعيشَ حُراً يتمتع بفضل الخالق و طاعته ، دون خشية من بلاغات مخبري الأمن الوطني ، أو مضيقي الأرزاق !! والحرية لمصر

اجمالى القراءات 1,476 , القراءات اليوم 4