حسام الغمري يكتب: التسامح مع 30 يونيو

حسام الغمري (@HossamAlGhamry) | Twitter

بقلم / حسام الغمري

لم بعد سراً أن الانقلاب على ثورة يناير بدأ في نفس اللحظة التي أعلن فيها اللواء عمر سليمان نائب الرئيس مبارك نبأ تنحيه في عبارات موجزة حملت فضلا عن خبر تخليه عن الحكم ، تكليف المجلس العسكري بإدارة شؤون البلاد، فرحة الشعب العارمة بنجاحه في قهر عناد مبارك بعد حكم دام ثلاثين عاما أساء فيها إلى روح الجمهورية بطول مدة بقائه وسعيه لتوريث الحكم ، شغلته عن قرار إعادة ضبط المصنع الذي رافق قرار التنحي بأن عادت السلطة كاملة إلى المجلس العسكري ، كما كانت يوم 26 يوليو 1952 بعد رحيل الملك فاروق ، وهكذا بدأ في مصر يوم 11 فبراير 2011 ، الانقلاب الأصغر وأعقبه الانقلاب الأكبر.

أما الانقلاب الأصغر فكان على من تبقى من رجال مبارك الأشداء وأبرزهم اللواء عمر سليمان الذي منعه المشير طنطاوي من ممارسة مهامه كنائب لرئيس الجمهورية ، ثم الانقلاب على رئيس الوزراء أحمد شفيق بعد حلقة من برنامج تليفزيوني تم فيها جلب الروائي علاء الأسواني لجلد الفريق شفيق إعلاميا على الهواء مباشرة تمهيدا لإجباره على تقديم الاستقالة ، وفي تقديري أن شفيق كتكنوقراطي لم يحصل على فرصته كاملة وأنه الوحيد داخل نظام مبارك الذي تم الانقلاب عليه ثلاثة مرات وربما أربعة !! .

ثم بدأ الاعداد للانقلاب الأكبر على ثوار يناير بتفكيك الكتلة الصلبة التي توحدت في الميدان، وعزل جماعة الاخوان المسلمين عن باقي التيارات السياسية ، ثم تعريضها لقصف إعلامي مكثف لمدة عام كامل قبل اسقاطها ، وهو إنقلاب في حقيقة الأمر ضد ثورة يناير كلها ليس فقط ضد فصيل من فصائلها.

لقد سعى السيسي بخبث لتعقيد المشهد في 30 يونيو 2013 ، بالتخطيط لدفع كتل شعبية للميادين ضد حكم الدكتور مرسي ، ثم الاطاحة به بزعم الانحياز للارادة الشعبية كما حدث مع مبارك ، ولو كان الدكتور البرادعي أو السيد حمدين صباحي بصفته المرشح الرئاسي الذي حصل على أربعة ملايين صوت هو الذي تلا بيان الانقلاب بدلا من السيسي لتغيرت عقارب الساعة ، ولست أفهم حتى هذه اللحظة كيف وافق الدكتور البرادعي بخبرته السياسية أن يقوم السيسي بقراءة بيان 3 يوليو ، لان هذه اللقطة ببساطة حولت مطلبا ديمقراطيا بانتخابات مبكرة ، وحقا دستوريا بالتظاهر السلمي إلى انقلاب عسكري على رئيس مدني منتخب ، كما أنها منحت مشاعر الشعب لمن لا يستحق ، وكانت إعلانا فجا لما كانت تخفيه الغرف المغلقة !!

شخصيا لم أوافق على 30 يونيو يوما ، وكانت لدي تخوفات شديدة قبلها نشرتها على وسائل التواصل الاجتماعي تحققت جميعها بكل أسف ، هذا لاني كنت أدرك أن الاطاحة بالدكتور مرسي بآلية غير الصندوق ستسقط كل مكتسبات ثورة يناير ، وأنه بعد ضرب جماعة الاخوان أمنيا لن تتمكن جميع الأحزاب الأخرى من حشد الشارع ثانية لمواجهة الحكم العسكري الذي سيتقدم لملء الفراغ بعد سقوط الجماعة دون شك ، وبهذا سيتمكن السيسي من عملية إعادة ضبط المصنع للبلاد وفق رغبة المجلس العسكري والقوى الاقليمية والعالمية التي تساند خطواته ، ورغم هذا كله وبعد مرور كل هذه السنوات على انقلاب يوليو أستطيع أن أؤكد التالي :-

  • جميع قوى ثورة يناير ارتكبت أخطاءً استراتيجية وتكتيكية منذ إذاعة بيان تنحي مبارك وأنه يمكن الآن تفهم الأسباب التي دفعت مئات الآلاف من المصريين للتظاهر يوم 30 يونيو 2013
  • ان المطالبة باجراء انتخابات رئاسية مبكرة لا يتخطى كونه مطلبا ديمقراطيا ، وأن التظاهر يوم 30 يونيو حق دستوري لكل من خرج ينادي باسقاط جماعة الاخوان
  • ان سلوك السيسي وقياداته الأمنية بعد 3 يوليو ، وتراجع وانكماش النخبة التي سعت لاسقاط الاخوان لا ينفي أنه كانت هناك أسباب حقيقية دعت الناس يومها للتظاهر بهذا الحشد الذي وان بالغت أذرع السيسي الاعلامية في تقديره إلا أنها بلا شك كانت التظاهرة الأكبر منذ أحداث محمد محمود .
  • ان عملية فض اعتصام رابعة وان كانت مذبحة مروعة ترقى لمرتبة الجرائم ضد الانسانية إلا أن استمرار الاعتصام حتى 14 أغسطس يؤكد أن التيار الاسلامي حينها فكر بعقلية الجماعة وليس بعقلية الحزب السياسي

مع ملاحظة أن كاتب هذه السطور كان من ضمن المشاركين في اعتصام رابعة ليس لقناعتي بجدواه فلقد كتب مناشداً مرشد جماعة الاخوان المسلمين برجاء اصدار الأمر بفض الاعتصام ورغم ذلك شاركت في الاعتصام ظنا مني ان تنوع الشرائح الموجودة بداخله قد يمنع السيسي من فضه بالقوة ويعطي وقتا أطول للمفاوضات السلمية وصولا لحل حقنا لدماء المسلمين وكنت قد خشيت أن أُسأل عنها يوم القيامة ”

ومن أجل ذلك، أرى أن أي عمل جبهوي يسعى لإسقاط الانقلاب العسكري وصولا لدولة دستورية يجب أن يبدأ بإظهار روح التسامح مع 30 يونيو ، ليس فقط على مستوى الافراد ولكن على مستوى المؤسسات التي شاركت في الحشد ، وليس معنى ذلك هو التسامح مع من أطلق النار على المصريين ، أو أصدر الأمر بذلك ، أو حرض إعلاميا على المذابح ، أو تبناها ، أو دافع عنها ، فالقضاء العادل النزيه المجرد المستقل ، هو محل النظر للفصل في كل هذه المآسي ، ولكن يجب على المعارضة الثورية أن تبدأ في الفصل بين كل من شارك في 30 يونيو ، وبين من استخدم هذا المطلب الديمقراطي لاجهاض ثورة الشباب ، بل ثورة الشعب كله في يناير 2011، والأفضل لنا جميعا ونحن نسعى لتحقيق اصطفاف وطني واسع أن نظهر ليس فقط تفهما للعوامل التي أدت إلى 30 يونيو ، بل أن نظهر أيضا تسامحا كبيرا معها من أجل إعادة السلم الاجتماعي إلى بلد عاشت في كنفة آلاف السنين.

اجمالى القراءات 1,951 , القراءات اليوم 2