د.أيمن نور يكتب: ليبراليتنا وليبراليتهم”المغشوشة”

بقلم: د. أيمن نور

هل هناك ليبرالية حقيقية وليبرالية مغشوشة؟ وهل العيب في الليبرالية أم في الليبراليين أنفسهم؟ اعترف أن هذه الأسئلة ليست بريئة، ذلك لأن ذهني متصالح مع إجابات بعينها قبل طرح هذه الأسئلة، وأن طرحها محاولة لفهم ما يحدث من أفعال ومواقف متصادفة مع القيم والمبادئ الليبرالية؟ مما يحدثه هذا من خلط والتباس لابد من مواجهته، وكشف أسبابه ومخاطره، وكيفية الخروج من هذه الأزمة الأخلاقية والسياسية.
أزمة التيار الليبرالي منذ زمن بعيد، تتصل بحالة ” الترانزيت ” السياسي الذي قامت به بعض القوي غير الليبرالية، مستغله الإطار الليبرالي ” الفِضفاض ” الذي وقفوا تحت لافتته لسنوات، قبل تشكيل تيارات وجماعات – فكرية وسياسية وحزبيه وحركية – تعبر عن أفكارهم – كما حدث في حالة الطليعة الوفدية – قبل 1952، التي كانت يسارية الهوي، والعقل والقلب إلا انها عاشت في كنف حزب الوفد عندما كان الوفد في هذا الوقت قمة الهرم الليبرالي المصر، ثم ما لبثت أن شكلت كياناتها، الأكثر تعبيراً عن مواقفها الحقيقية متجهة لليسار در!

وعقب تراجع حركة اليسار دوليا في التسعينيات، بفضل المتغيرات الكونية، وتحلل الاتحاد السوفيتي، عادت بعض هذه القوي لحالة ” الترانزيت السياسي ” لتقف مرة أخري تحت لافتة ” الليبرالية ” ، التي اتسعت مرة أخري لقوي تُسمّي نفسها بالقوي الديمقراطية والمدنية.. في إطار التعلق بقيم مشتركة مع القوي الليبرالية الأصلية، وتحت ضغط مواجهة ضعفها، في مواجهة الأستبداد.. لكن حقيقة الأمر أن تلك القوي عندما كانت في حالة الترانزيت ” الأول ” قبل تأسيس كيانتها، ذهبت إلي هذه الكيانات بقيم ليبرالية!!

لكنها عندما عادت مرة أخري، عادت بالقيم التي تشكّلت كياناتها، وهي قيم ليست معظمها قيم ديمقراطية، بقدر ما كانت قيم اجتماعية، وإقتصاديه ” شمولية” أو علي الأقل لا تتصادم مع القيم والتوجهات الشموليه، بل هي أسيرة لها ولمواقفها، مثلا من الحكم العسكري، الذي استمدت بعض هذه القوي وجودها من وجوده، والدفاع عنه.

ولأن حركة التاريخ، ترفض مبدأ ” الإيجارات الطويلة ” أو الترانزيت الدائم، فقد كانت التغيرات الواسعة، التي صاحبت ثورة يناير 2011، كاشفة لعناصر التباين بين ليبرالية ديمقراطية، مدنية ” حقيقية ” وليبرالية ” مغشوشة” أو بالأقل مكتسبة وغير أصلية بوصفها محطة ترانزيت.

وأصبح من قبيل التضلييل، أو الخلط أو الخطأ غير المقبول، الحديث عنه وكأنه القوي ” المدنية ” في إطار ونسق واحد، بوصفها كيان سياسي، أو أيدولوجي، أو فكري واحد!، بينما التصادم بين مرجعايتها، وخبراتها، وأهدافها واسع الهوه، أو أحسب أن أحداث ما بعد 11 فبراير 2011- لحظة رحيل شخص مبارك – كشفت أن توحد القوي المدنية، لم يكن إلا تحت ضغط لحظة الخلاص من مبارك، حيث كانت القوي الليبرالية، واليسارية، والإسلامية، والحركات الثورية متعددة التوجهات في خندق واحد، بينما مبارك ومعظم نظامه، ودولته في الخندق الاَخر.

إلا أن الأكثر إثارة – للأسف – أن أحداث، قبل 30 يونيو، وما بعد 3 يوليو. دمجت نظام ورجال مبارك، ودولته العميقة، في إطار تحالف أطلقوا عليه: تحالف القوي الليبراليه والمدنية.. في مواجهة أحد مكونات التحالف السابق.. تحالف يناير2011، وبالفعل أنخرطت قوي مجتمعية، وسياسية متباينة المواقف في أطار ( معسكر 3/7 ) في مواجهة تيار سياسي مختلف معها، وهو أمر مشروع إذا لم يفرط أي من مكوناته في المبادئ التي قام عليها، ولا يمكن فهم التخلي عنها، ولو بصورة تكتيكية مؤقته!! وهنا تكمن الإشكاليه الحقيقية المتمثلة في أن بعض القوي الديمقراطية والليبرالية، في غمار معركتها السياسية، لم تعن بالدرجة الكافيه – ولا بأي درجة – في مرحلة لاحقة، الثوابت الليبرالية، والمدنية ،والديمقراطية، التي لم يكن مقبولاً التخلي عنها أو المناوره حولها، بدعوي الخطر الأكبر أو الشيطان الأعظم، أو المعركة الأولي بالرعاية.. علي طريقة ” لا صوت يعلو فوق صوت المعركة “، بينما كانت هناك قوي ليبرالية أخري تري أن السؤال الأهم، هو هل يمكن قبول ثمن يتم تسديده علي فاتورة الثوابت والقيم؟!

إن المسافة بين ما يمكن أن نسميه ليبراليه، وما يمكن أن نراه ليبراليه ” مغشوشة، ” تبدوا واضحة إذا ما أستحضرنا حالة 3/7 – وليس 30/6 – ومراجعة ما اَلت إليه الأوضاع الديمقراطية والأنسانية في بلادنا.. وهل هي من قبيل تحقيق القيم الليبرالية، أم أغتيالها، ونسفها كلياً؟!

 المسافة بين الليبرالية و الليبرالية المغشوشة، هي تلك المسافة بين الدكتور حازم الببلاوي 1993 ، وشبيهه الذي ظهر بعد 20 عاماً في 2013، متقلداً حكومة مصر.. فالأول 1993، أصدر كتابا بعنوان:- ” عن الديمقراطية الليبرالية ” من مطبوعات دار الشروق، والثاني هو الذي سار عكس خط السير، لكل سطر خطه في كتابه هذا مسطراً كتابا جديداً لسان حال عنوانه ( عن الديمقراطية والليبرالية المغشوشة)!

أفهم أن تقول أنك ليبرالي أو مدني.. وأنت مع الحكم العسكري؟! لا أفهم أن تقول أنك ليبرالي أو مدني.. وأنت لا تحترم الحقوق والحريات العامة، وتبرر أغتيالها ثماناً لصراع سياسي مهما كان قدر الصواب من موقفك منه؟! لا أفهم أن تقول أنك ليبرالي أو مدني.. وتغتال كل صباح قيم المواطنه والمساواه والعدالة، وحقوق الأنسان.. وأنت تبرر هذا بدعوي أن غيرك من التيارات فعلها معك، فلما لا؟! لا أفهم أن تقول أنك ليبرالي أو مدني.. وتقبل أن يكون في الوطن الواحد، دم أحمر وأخر أزرق، ولا تري عاراً أن يسفك هذا، بغير دم، أو عقاب، أو ثمن، أو محاسبة، في كيل فاضح بمكيالين ، علي خلفية سياسية..؟!

لا أفهم أن تقول أنك ليبرالي أو مدني.. وأنت لا تقبل بالأخر، وتمارس نفيه، وتجيز أطاراً قانونياً ودستورياً لتنظيم هذا الأقصاء، بدعوي أنك مع ثورة قامت، كان مقدمة ما أعلن عنه في اهدافها هو مواجهة الأقصاء؟! لا أفهم أن أن ترفع شعار” من ليس معي فهو ضدي “، ومن ليس متطابقاً في موقفه مع موقفي هو خائن، وأنت تنتمي لمدرسة إنسانية، تقوم علي فكرة الحرية، وتصون حقوق الأقلية قبل الأغلبية، وتتسامح مع الأخر، وتقدس حقه في الوجود، وتموت دفاعا عن هذه الحقوق.

إن الليبرالية الحقيقية، هي قيم إنسانية غير قابلة للتجزئة، ولا للبيع، ولا للاستثناء، أو التفضيل، وفقاً للمصلحه، أو الخطة، بل هي قيم حاكمة ودائمة تري الحق حقاً، والباطل باطلاً، حتي لو كان بطل الحق لا يستحق الدفاع عنه، ولو كان بطل الباطل واحداً منناً..!!
تلك هى ليبراليتنا التي لم تتصادم يوماً مع الدين،أو القيم الإسانية، والأخلاقية، ولم تتعارض يومياً مع حقوق الأنسان، ولم تكن في أي وقت مع معسكر الباطل.

أما الليبراليه المغشوشه فهي كالأسلحة الفاسده، التي تصيب أصحابها قبل خصومها، ‏والتي تستخدم بعض الأستبداد في إدارة معارك من اجل الديمقراطية، ولا تعرف سبيلاً للرأي الأخر داخل المعسكر الواحد، وتتصور انها تحتكر الحقيقه دون أن يؤرقها هدم المعبد خوفاً من ابتزاز فريق ممن يمكن تسميتهم”معارضة المعارضة”وهو فريق منشغل بمعارضة كل ما يمكن أن يوحد المعارضة
أكثر من انشغاله بمعارضة النظام، مشغول بتحقيق انتصارات في معارك بينيه صغيرة ولو كان الثمن خسارة فرص في معركة أكبر.
منذ سنوات بعيده وأنا أدرس بحب شخصيه زعيمي الأقرب إلى قلبي “ملاك الوطنية المصرية”مصطفي النحاس، وكنت أجد تفسيرا مفهوما لكل تصرف أو موقف اتخذه ولو أنكره البعض، الشيء الوحيد الذي لم أجد له تفسيرا مقبولا هو موقفه الدائم الرافض للحكومات الإئتلافيه، خاصه مع الأحزاب المحافظه حتي لو رفعت شعارات ليبراليه، وبعد سنوات من تجارب مختلفه انتصر لدي رأي النحاس.

اجمالى القراءات 3,020 , القراءات اليوم 2