ما أبرز الدلالات التى حملها قرار البرلمان الأوروبي حول حقوق الإنسان في مصر؟

يبدو أن وقت محاسبة السيسي قد حان، بعد سنوات من الصمت إزراء انتهاكاته لحقوق الإنسان في مصر، والتى بلغت حدا غير مسبوق منذ صعوده إلى الحكم عبر انقلابه العسكري عام 2013، فقد تبنى البرلمان الأوروبي قرارا يطالب المؤسسات الأوروبية بخطوات جادة لوقف انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، وذلك عقب التصويت على قرار دعا السلطات المصرية إلى إطلاق سراح سجناء الرأي وإيقاف الإعدامات المتزايدة في البلاد.

وقال البرلمان في قراره، إن “حالة حقوق الإنسان في مصر في تدهور مع تكثيف السلطات حملتها القمعية ضد المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان والعاملين الصحيين والصحفيين وأعضاء المعارضة والأكاديميين والمحامين”. وشمل القرار 19 توصية جميعها ترصد وتدين “انتهاكات حقوق الإنسان في مصر واعتقال المدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء المجتمع المدني”، وركز على “قضية تعذيب وقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني وموقف السلطات الإيطالية ومطالبتها بالمشتبه فيهم، كما طالب القرار بـ”ضرورة الإفراج الفوري عن عدد من المعتقلين السياسيين”.

ووجّه البرلمان الأوروبي اتهاماً مباشراً للسلطات المصرية حول قضية ريجيني بأنها لجأت إلى “تضليل وتعطيل” التحقيقات المرتبطة باختطاف وتعذيب وقتل الباحث الإيطالي عام 2016، كما اتهمها أيضاً بـ”عدم الوفاء بالتزاماتها الدولية بخصوص التعاون مع إيطاليا لإجراء بحث دقيق وحيادي في هذه القضية”.

الصورة الأكبر خلف القرار الأوروبي

هذه ليست المرة الأولى التي يناقش فيها البرلمان الأوروبي انتهاكات حقوق الإنسان في مصر منذ تولي عبدالفتاح السيسي مقاليد الأمور منذ أكثر ست سنوات، لكنها المرة الأولى التي تتخذ فيها أعلى سلطة تشريعية في القارة العجوز قراراً شاملاً بشأن الملف الحقوقي في مصر ويصدر من خلاله توصيات محددة. فقد دعا الأعضاء في قرارهم إلى إجراء مراجعة عميقة وشاملة لعلاقات الاتحاد الأوروبي مع مصر على خلفية وضع حقوق الإنسان، كما أشاروا إلى ضرورة عدم منح أي من الدول الأعضاء في الاتحاد جوائز إلى القادة المسؤولين عن الانتهاكات الحقوقية في مصر.

وأثناء المناقشات التي سبقت التصويت، وجه الأعضاء انتقادات عنيفة لقرار السلطات الفرنسية مؤخراً منح السيسي وسام “جوقة الشرف الفرنسي”. وفي هذا السياق، طالب البرلمان الأوروبي في قراره دول الاتحاد بـ”اتخاذ تدابير تقييدية ذات مغزى ضد المسؤولين المصريين رفيعي المستوى المسؤولين عن أخطر الانتهاكات في مصر”. كما شدد على ضرورة استمرار الضغط بهذا الشأن، من أجل أن تمتثل مصر لمبادئ حقوق الإنسان ومساءلة المتهمين في الانتهاكات وعدم استمرار سياسة الإفلات من العقاب.

ويرى البعض أن الصورة الأكبر وراء تحرك البرلمان الأوروبي في ملف انتهاكات حقوق الإنسان في مصر الآن مرتبط بأكثر من عنصر؛ الأول قضية ريجيني التي وصلت إلى طريق مسدود مؤخراً بعد أن قررت النيابة العامة المصرية حفظ ملف القضية وتقييدها ضد مجهول، على عكس قرار النيابة الإيطالية التي توصلت إلى استنتاجات تشير إلى ضلوع أجهزة الأمن المصرية في اختطاف وتعذيب وقتل الباحث الإيطالي وتوصلها إلى قائمة بالمشتبه فيهم.

فعلى الرغم من تاريخ جريمة اعتقال وتعذيب وقتل ريجيني ترجع إلى أواخر يناير وأوائل فبراير 2016، إلا أن وصول قطار التحقيقات إلى محطته النهائية -من الجانب المصري- قد ساهم في وجود شهادات من الجانب الإيطالي تكشف أن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر ليست تصرفات فردية يقوم بها بعض أفراد أجهزة الأمن لكنها سياسة تؤكدها محاولات “التضليل والتعطيل”، كما جاء في نص القرار الأوروبي.

العنصر الثاني في الصورة الأكبر خلف القرار يتعلق بنتائج الانتخابات الأمريكية وخسارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لصالح جو بايدن؛ فترامب على مدى السنوات الأربعة الماضية كان داعماً قوياً للسيسي الذي سماه ترامب “ديكتاتوري المفضل”، ولم تكن حقوق الإنسان على أجندة الرئيس الأمريكي من الأساس وهو ما كان يعطي نوعاً من الحماية ليس فقط للسيسي ولكن أيضاً لباقي أصدقاء ترامب في الدول العربية.

انتهاكات متراكمة لحقوق الإنسان في مصر

لكن قرار البرلمان الأوروبي لا يتعلق فقط بقضية ريجيني، بل شمل قضايا أخرى ومعتقلين آخرين، حيث دعا السلطات المصرية إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن المعتقلين تعسفياً والمحكوم عليهم بسبب عملهم المشروع ونضالهم السلمي في مجال حقوق الإنسان.

القرار أيضاً طالب السلطات المصرية على التعاون في التحقيقات الخاصة بواقعة وفاة مدرس اللغة الفرنسية إريك لانج في سجنه في 2013. ولانج (49 عاماً)، كان مقيماً في القاهرة حين تم اعتقاله في سبتمبر2013، لعدم التزامه بحظر التجول. ولم يكن بحوزته جواز سفره، فاقتيد إلى قسم شرطة قصر النيل، وفي اليوم التالي برّأه القضاء من أي تهمة وأمر بإخلاء سبيله، ولكنه ظل قيد الاحتجاز حتى 13 سبتمبر. وتفيد الرواية الرسمية بأنه قتل داخل قسم الشرطة، عندما اعتدى عليه 6 سجناء داخل غرفة الحجز.

وبالتالي يمكن القول إن قرار البرلمان الأوروبي رصد كثيراً من انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، وصولاً إلى أحدثها وهو إلقاء القبض على 3 مسؤولين في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، رغم الإفراج عنهم مؤخراً، فيما يمكن وصفه بأن القرار رسالة إلى النظام المصري بأنه قد فاض الكيل ولم يعد ممكناً التغاضي عن تلك الانتهاكات.

المبادرة المصرية للحقوق الشخصية: انتقادات دولية متزايدة لاعتقال نشطاء حقوقيين في مصر - BBC News عربي

رفض مصري 

وعقب انتهاء جلسة البرلمان الأوروبي وإعلان مخرجات الجلسة، أعرب البرلمان المصري عن استياءه لما  تضمنه القرار الصادر عن البرلمان الأوروبي بشأن حالة حقوق ‏الإنسان في مصر، وزعم انه تضمن العديد من المغالطات المغايرة للواقع والداخل المصري”. وأضاف: أن قرار البرلمان الأوروبي غير مقبول ولا يلائم الشراكة الاستراتيجية ‏المصرية – الأوروبية”، مؤكداً “رفض مجلس النواب للقرار الأوروبي، ‏جملة وتفصيلاً”، واصفاً القرار الأوروبي بأنه “يعبر عن أهداف مسيسة، ونهج غير متوازن”.‏

وطالب مجلس النواب المصري في بيانه، البرلمان الأوروبي، بـ”عدم تنصيب نفسه ‏وصيا على مصر، والنأي عن تسييس قضايا حقوق الإنسان لخدمة ‏أغراض سياسية أو انتخابية، والنظر بموضوعية لواقع الأمور في مصر، ‏والابتعاد عن ازدواجية المعايير”.

انتخابات مجلس النواب المصري: أبرز ملامح السباق الذي قد تنقصه "المشاركة" الجادة - BBC News عربي

ويرى مراقبون أن سرعة الرد من جانب النظام المصري تكشف عن حالة القلق التي يعيشها النظام حالياً، فهم ليسوا متأكدين من مدى جدية الإدارة الأمريكية الجديدة في رهن علاقات واشنطن والقاهرة بملف حقوق الإنسان، لكن المؤكد حتى الآن هو أن تعامل بايدن سيكون مختلفاً عن تعامل ترامب، لذلك لا يريدون ترك القرار الأوروبي دون رد من جانبهم”.

والنقطة الثانية تتعلق بصياغة الرد المصري من حيث ذكر التطرق لقضية الهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب “فهذه رسالة واضحة تقول للأوروبيين أن النظام المصري ربما يترك باب الهجرة غير الشرعية مفتوحاً على مصراعيه إذا لم يتوقف الأوروبيين عن ممارسة الضغوط في ملف حقوق الإنسان”

المصدر/ عربي بوست

اجمالى القراءات 16,230 , القراءات اليوم 492