النظام المصري ضد المصالحة والمصالح الفلسطينية

ماجد عزام

بقلم/ ماجد عزام

استقبل النظام المصري نهاية الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول) وفدا قياديا رفيعا من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بعد مماطلة شهورا فرض فيها كعادته عقوباتٍ غير معلنة، ولكن ملموسة، ضد الحركة، وقطاع غزة بشكل عام، احتجاجاً على شقّ مسار ثنائي للمصالحة الفلسطينية، بعيداً عنه بين رام الله وبيروت ثم إسطنبول، من خلال حوار حركتي فتح وحماس الذي عقد باستضافة تركية فقط، من دون رعاية ووساطة، أو حتى حضور للمسؤولين الأتراك في الحوار.

خرج وفد الحركة الإسلامية من الزيارة بتفاهماتٍ تكتيكيةٍ، تتعلق بتخفيف النظام المصري حصاره ضد غزة عبر فتح معبر رفح أياما، بعد إغلاقه شهورا، مع موافقة “حماس” على طلب النظام إبعاد تركيا عن الملفات التي ينخرط فيها، من قبيل عملية المصالحة مع حركة فتح والتهدئة مع إسرائيل، من دون تعهد أو ضمان جدّي منه بالتحرّك في هذه الملفات، بل على العكس، تم تجميد المصالحة إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، وأمر مماثل يمكن قوله عن ملف التهدئة أيضاً.

وكما العادة، تركّز حوار القاهرة مع وفد “حماس”، برئاسة نائب رئيس المكتب السياسي، صالح العاروري، بعد المماطلة (أو القطيعة) شهورا، على الملفات التقليدية الثلاثة، العلاقات بين الجانبين، بما فيها الوضع في غزة، وآلية فتح معبر رفح، وعملية المصالحة الفلسطينية بين حركتي حماس وفتح، والصراع مع إسرائيل، وتحديداً فيما يتعلق بالتهدئة الهشة في غزة، مع حديث عام عن التطورات الإقليمية وصفقة القرن الأميركية والتطبيع (التحالف) الإماراتي الإسرائيلي.

وقد جاءت المماطلة المصرية عقابا لحركة حماس على انطلاق المسار الثنائي للمصالحة الفلسطينية بعيداً عنها مطلع العام الجاري (2020)، أي منذ الإعلان عن صفقة القرن الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية، ثم خطة الضمّ الإسرائيلية لثلث الضفة الغربية، وأخيراً التحالف الإماراتي الإسرائيلي. لم يفهم النظام المصري، ولا يريد أن يستوعب حقيقة أن المصالحة باتت عملية فلسطينية خالصة، لا حاجة فيها لوساطة أي طرفٍ كان، بعد الشعور بالمسؤولية الوطنية والمخاطر الجدية المحدقة بالقضية ومساعي تصفيتها، أو بالحد الأدنى إزالتها عن جدول الأعمال. ولم يفهم كذلك أنه لا حاجة تحديداً له وسيطا وراعيا للمصالحة الفلسطينية، كونه منخرطا في المخاطر والتحديات الهائلة الثلاثة التي يسعى الفلسطينيون إلى التصدّي لها وإفشالها.

كان غاضباً من الحوار بين حركتي فتح وحماس في إسطنبول، باستضافةٍ في تركيا، من دون أي رعاية أو وساطة منها، إلا أن النظام الموتور والمهووس بمعاداة تركيا رد بقتل صيادين إخوة في غزة، واستمرار إغلاق معبر رفح طوال الشهور الماضية بحجّة جائحة كورونا. وقد ظل، خلال هذه الفترة وحتى قبل حوار إسطنبول، يرفض التدخل بالملف الفلسطيني. وفي أثناء جولة التصعيد بين “حماس” وإسرائيل، في أغسطس/ آب الماضي، قد أرسل مضطراً، وتحت ضغط الأحداث، وفدا أمنيا إلى غزة وتل أبيب من دون جدية أو مثابرة وإصرار، وكانت النتيجة فشلاً ذريعاً مقابل نحاج قطر في التوصل إلى التهدئة السائدة التي دخلت أخيرا شهرها الثالث. ثم مع ذهاب وفد من “حماس” إلى روسيا، وإعلان الحركة عن استعداد موسكو استضافة الحوار الفلسطيني، ثنائياً أم جماعياً، وتأكيد أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح، جبريل الرجوب، على مغادرة مربع الانقسام نهائياً، واستمرار الحوار مع “حماس” والفصائل، للوصول إلى النتائج المرجوّة، غير النظام المصري موقفه، وأرسل دعوة إلى الحركة، وقدّم مطالب، أو للدقة شروطا قاسية، في مقابل تخفيف الحصار عن غزة، من دون تعهدات أو ضمانات واضحة منه، في الملفات التي يريد أن يحتكر الوساطة الحصرية عليها.

بتفصيل أكثر، تمثلت مطالب النظام المصري بإبعاد تركيا عن الملفات الفلسطينية التي ينخرط فيها، واستمرار العلاقات أو الملفات الثنائية معها بعيداً عنه، كونه يفهم مكانة تركيا وحضورها، واستحالة قطع حماس العلاقات معها. فيما يخص المصالحة، عرض استضافة حوار بين حركتي فتح وحماس “في المستقبل ومن دون موعد محدد”، يخرج بتفاهماتٍ على نقاط الخلاف العالقة فيما يتعلق بالحكومة والمنظمة ورواتب الموظفين والأجهزة الأمنية ومعالم الفترة الانتقالية حتى الانتخابات وما إلى ذلك، بمعنى تجاوز تفاهم إسطنبول واستبداله بما يمكن تسميته تفاهم القاهرة، وبعد ذلك تمكن استضافة لقاء فلسطيني موسع يضم الأمناء العامين للفصائل للمصادقة على التفاهم الجديد، ومن ثم إصدار الرئيس محمود عباس المرسوم الرئاسي الخاص بالحزمة الانتخابية الكاملة.

لا تحديد للموعد المؤجل إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، والآن سيكون انتظار تسلم الرئيس الجديد مهام منصبه في نهاية يناير/ كانون الثاني المقبل، وربما انتظار اتضاح سياسته، أي أن ملف المصالحة تم تأجيله ستة أشهر على الأقل. والتهدئة مؤجلة أيضاً إلى ما بعد الانتخابات الأميركية، والنظرة المصرية إليها تكتيكية بحتة، حيث لا يريد نظام السيسي الانخراط في وساطة جدّية مع الاحتلال بشأن مرحلتها الثانية المتضمنة إقامة مشاريع بنى تحتية ضخمة بميزانيات كبيرة في قطاعات المياه والكهرباء والصرف الصحي والصناعة، بما يكفل تحسينا جديا في مستوى الحياة والمعيشة وعودة العجلة الاقتصادية إلى الدوران فعلياً في غزة.

في المقابل، وافق النظام المصري على إدخال قوافل مساعدات إنسانية وطبية وإغاثية إلى غزة، لمساعدتها على مواجهة جائحة كورونا، وفتح معبر رفح أياما، وعلى فترات، بشكل موسمي غير منتظم بحجة الجائحة، إضافة إلى الذرائع المستهلكة عن الأوضاع الأمنية غير المستقرّة في شبه جزيرة سيناء.

في المجمل، فرض النظام في مصر شروطه، ونجح في الحفاظ على مصالحه الضيقة عبر مواصلة الإمساك بالورقة الفلسطينية، والعمل على إجهاض المسار الثنائي الواعد للمصالحة وإبعاد تركيا عنها، على الرغم من أنها غير منخرطة أصلاً، بل تدعم ما يتوافق عليه الفلسطينيون. لم يبد كذلك استعجالا أو اندفاعا نحو تمتين التهدئة وصيانتها، على الرغم من عدم وفاء إسرائيل بالاستحقاقات المطلوبة منها التي كان النظام نفسه شاهداً عليها، وعلى الرغم من تردّي الأوضاع في غزة، ووصولها إلى حافة الانفجار. إلى ذلك، سيبقى سيف معبر رفح مسلطاً فوق رقاب “حماس” والفلسطينيين، وسيتم استخدامه دائماً للابتزاز ولي ذراع الحركة الإسلامية، للقبول بسطوة النظام المصري، وإمساكه بملفات فلسطينية حساسة، لا يعمل على تحريكها أو إنجاحها.

وافقت “حماس”، للأسف، مرغمة، وتحت الابتزاز، على الشروط والمطالب المصرية، ربما من أجل الحفاظ على سلطة الأمر الواقع في غزة، وربما لمنع انفجار الأوضاع فيها، أو ذهابها نحو الأسوأ، في ظل آثار جائحة كورونا، على أعتاب انتخاباتها الداخلية، والانشغال الإقليمي والعالمي عن فلسطين وقضيتها. وعموماً، هي ملزمة، بل مجبرة على النظر في خياراتٍ أخرى، تستند الى المصالح الفلسطينية والمصالحة وإنهاء الانقسام، على أن تتضمن تخليها، بل تحلّلها من السلطة والسيطرة على غزة، كي لا يستفرد النظام المصري أو الاحتلال الإسرائيلي بها، على أمل طبعاً أن يلاقيها الرئيس محمود عباس، من موقعه رئيسا للسلطة الفلسطينية وحركة فتح، في منتصف الطريق، ويتخذ الخطوة المهمة الأولى بإصدار مرسوم إجراء الحزمة الانتخابية الكاملة، وبالتوازي الانخراط الجدّي في حوار من أجل التوصل إلى برنامج وطني جامع لإدارة الصراع مع إسرائيل على أساسه، يعتمد المقاومة الشعبية السلمية بكل مستوياتها وأبعادها الميدانية والدبلوماسية والاقتصادية والقضائية، على أن يصادق المجلس التشريعي المنتخب على حكومة وحدة جديدة، تتولى إدارة شؤون الفلسطينيين الحياتية، والمجلس الوطني المنتخب أيضاً على لجنة تنفيذية جديدة لمنظمة التحرير، تتولى إدارة الصراع مع إسرائيل، وفقاً للبرنامج الجامع المتفق عليه والموجودة مسودته الأصلية في وثيقة الوفاق الوطني (وثيقة الأسرى) التي تحتاج إلى تحديث، كونها تتضمن العناصر اللازمة والضرورية لإنهاء الانقسام وإدارة الصراع بصلابة وعناد على قاعدة شراكة راسخة مؤسساتياً وسياسياً.

اجمالى القراءات 1,892 , القراءات اليوم 4