في ذكرى رحيله..ماذا تعرف عن د.”مصطفى محمود” العالم والمفكر؟

في مثل هذا اليوم رحل عن عالمِنا الدكتور والفيلسوف والأديب مصطفى محمود، بعد سنوات قضاها في فضاء العلم والمعرفة والتأمل وتأليف الكتب التى طرقت أبوابا علمية جديدة لم يطرقها أحد من مفكري عصره، منها ما آثار الجدل ومنها ما آثار الإعجاب، ليترك بصمة فكرية وعلمية أضافت للمكتبة العربية رؤى مختلفة وإرثا فكريا ما زال ينهل منه ناشئة الفكر والأدب حتى وقتنا هذا.

وُلِدَ الدكتور مصطفى محمود في محافظة المنوفية مصر، درس الطب ولكنه تفرغ للكتابة والبحث. فقام بتأليف 89 كتابًا، يتراوح بين القصة والرواية الصغيرة إلى الكتب العلمية والفلسفية والاجتماعية، والدينينة. وقد كان منذ صغره محباً للعلوم، فكان يمتلك معملاً صغيراً في المنزل، وبدأ بالفعل وهو صبي يصنع “مبيدات” يقتل بها الصراصير، ثم يقوم بتشريحها، فقد كان علم التشريح يستهويه بشدة في تلك الفترة المبكرة من حياته.

مقالات - لغز الزمن - د.مصطفى محمود

وقد كانت كتب مصطفى محمود عبارة عن هجرة مستمرة للبحث عن الحقيقة، وعبر في كتبه عن المراحل التي مر بها كالمرحلة المادية العلمانية، ومرحلة الدخول لعالم الأديان، وصولاً لمرحلة الصوفية. ويتميز أسلوبه بالقوة والجاذبية والبساطة. كما قدم 400 حلقة من برنامجه التلفزيوني الشهير (العلم والإيمان). تعرف على السيرة الذاتية الإنجازات والحكم والأقوال وكل المعلومات التي تحتاجها عن مصطفى محمود.

مرض والده وأصيب بالشلل عدة سنوات وتوفي عام 1939، حيث أكمل مصطفى محمود دراسته الثانوية ودخل كلية طب قصر العينى جامعة القاهرة وتخصص في جراحة المخ والأعصاب. حيث انتقل عندها مع والدته من طنطا إلى القاهرة وانقطع عن الدراسة سنتين بسبب مرضه، أمضاهما في المطالعة والتفكير في موضوعات أدبية، فامتهن الكتابة في سنوات دراسته الأخيرة  وكانت تنشر له القصص القصيرة في مجلة “روز اليوسف”، وقد عمل بها لفترة عقب تخرجه عام 1953، مما دفعه لاحتراف الكتابة،

وفي عام 1960 عندما أصدر الرئيس عبد الناصر قراراً ‏بمنع‏ ‏الجمع‏ ‏بين‏ ‏وظيفتين‏، كان‏ ‏مصطفى‏ محمود وقتها يجمع بين عضوية نقابتي الأطباء والصحفيين. ولذا ‏قرر‏ ‏الاستغناء‏ ‏عن‏ ‏عضوية‏ ‏نقابة‏ ‏الأطباء‏، ‏وحرمان‏ ‏نفسه‏ ‏من‏ ‏ممارسة المهنة إلى الأبد ‏مفضلًا ‏الانتماء إلى ‏نقابة‏ ‏الصحفيين‏، والعمل كأديب ومفكر.

بداية التشكيك

كانت طفولة الدكتور مصطفى محمود غريبة وعجيبة، كما رباه والده في المسجد أي إنها كانت طفولة دينية من الدرجة الأولى، لكنني لم أجد في نفسي المتلقى التقليدي وخلاص، بل كان كل شيء بداخلي يمر بالمصفاة، فأنتقي الأشياء التي أشعر أنها يقينية، وأتخلص من أي شيء أشهر بأنه هراء، حتى لو كان من شيخ الجامعة.

وفي صغره وبينما يرتاد المسجد كعادته مع أصدقاءه حدث معه موقفا كان سببا في تسريب الشك بداخله، وأحدث فارقا في مسيرته الفكرية، وكن إمام مسجد هو من زرع بداخله بذرة الشك الأولى في العقيدة وفي كل ما يحيط بي، خصوصا المسلمات (أي الأمور الفطرية، التي يتعامل معها الإنسان كأنها أمور طبيعية، مثل ما يتلقاه الابن من والديه في طفولته وهكذا)، عندما تعامل معنا بجهل، وكأنه يتعامل مع (شوية فراخ) دون أن يعلم أنني سأكون له بالمرصاد، يقول مصطفى محمود في مذكراته.

فقد كنت منذ طفولتي المبكرة أشعر بقلبي وعقلي يتجهان إلى الدين، فمنذ السابعة من عمري كنت متجها للدين، بكل حواسي ومشاعري.. أصلي الفروض جميعا في المساجد، وكنت أتردد في هذه الفترة على مسجد وضريح سيدى عز الرجال الموجود في طنطا، مع مجموعة كبيرة من أصدقائي، نصلي الفروض والسنن، ونستمع إلى وعظ شيخ الجامع (جامع سيدي عز الرجال والشيخ كان اسمه محمود) الذي كان يمثل لي قيمة كبيرة، لم يتساو معها أي شخص في تلك الفترة، ولهذا كنت أدون كل ما يقوله، ونحضر المولد وحلقات الذكر ورائه.

أقوال مأثورة للدكتور مصطفى محمود | مجلة رواد الأعمال

وفي يوم من الأيام قال الشيخ محمود:  له ولأصحابه “شوفوا يا ولاد.. أنا سأقول لكم على طريقة تقضون بها على الصراصير والحشرات الضارة في المنزل، وهي طريقة دينية عظيمة جدا، وكل واحد يفتح الكراسة، وسوف أملي عليكم هذه الطريقة العظيمة الجديدة”.. وأخذ يملي علينا كلام، عبارة عن مزيج من الآيات والطلاسم، ثم قال لنا: الصقوا هذه الورقة على الحائط، وسوف تكتشفون بأن الصراصير سوف تموت موتا شنيعا، على هدى هذه الطريقة الدينية العظيمة، وبالطبع فقد فرحت من كل قلبي، لأنني كنت على استعداد لتصديق كل ما يقول، وكتبت كل ما قاله بالحرف الواحد، ولصقته باهتمام شديد على الحائط، وجلست منتظرا النتيجة.

يقول د. مصطفى محمود: خاب ظني، وأصبت بإحباط شديد، فقد تزايدت الصراصير، وأصبحت أضعاف ما كانت قبل طريقة الشيخ، بل الأدهى من هذا أن الصراصير اتخذت من الورقة التي أخبرني بها الشيخ ملجأ لها. وأضاف: من يومها، أحسست أن الرجل نصاب كبير، وبدأت أشك في كل شيء، ليس في هذا الشيخ وحده، ولكن في كل من حولي، وكانت هذه هي بذرة الشك التي زُرعت في نفسي، وقد زرعها الشيخ محمود خطيب وواعظ سيدي عز، لم أشك في الورقة التي دعا إليها فقط، أو في حديثه.. ولكن اعتراني شك في كل شيء.

رحلته الفكرية والعلمية 

ألّف مصطفى محمود 89 كتاب، متعددة الموضوعات والمجالات فمنها علمية ومنها فلسفية ومنها أدبية، سياسية، اجتماعية، ودينية. وأتقن أيضاً كتابة المسرحيات والحكايات. حيث كتب كتاب “لغز الموت” في 1959، وفي عام 1961 كتب “أينشتاين والنسبية”، وكتب “القرآن محاولة لفهم عصري” في عام 1969، وفي عام 1970 كتب كتابه الشهير “رحلتي من الشك إلى الإيمان”.

ليقوم بعدها بنشر العديد من الكتب والمقالات ومنها : (ألعاب السيرك السياسي، الإسلام في خندق، زيارة للجنة والنار،  عظماء الدنيا وعظماء، علم نفس قرآني جديد ،الإسلام السياسي والمعركة القادمة، على حافة الانتحار، عالم الأسرار، المؤامرة الكبرى، الله والإنسان ،أكل العيش، عنبر 7، شلة الأنس، رائحة الدم ،إبليس، لغز الحياة، الأحلام، في الحب والحياة،

يوميات نص الليل، المستحيل، العنكبوت ،الخروج من التابوت، رجل تحت الصفر، الإسكندر الأكبر، الزلزال، الإنسان والظل، غوما ، الشيطان يسكن في بيتنا، الغابة ، مغامرات في الصحراء ، المدينة ،اعترفوا لي، 55 مشكلة حب، اعترافات عشاق، الطريق إلى الكعبة، الله، التوراة، الشيطان يحكم، رأيت الله ، الروح والجسد ، حوار مع صديقي الملحد) والكثير من الأعمال الأخرى.

زوجة مصطفى محمود: كان محباً للخير ولا هدف له إلا إسعاد الناس - أهلا رمضان -  الوطن

وقام الدكتور مصطفى محمود بإنشاء مسجد في القاهرة باسمه هو “مسجد مصطفى محمود” عام 1979م ويتبع له “جمعية مسجد محمود” والتي تضم “مستشفى محمود” و”مركز محمود للعيون” ومراكز طبية أخرى إضافة إلى مكتبة و متحف للجيولوجيا وآخر للأحياء المائية ومركز فلكي.

وفي عام 1971 بدأ بتقديم برنامجه “العلم والإيمان” هو برنامج تلفزيوني قام بتقديمه لثماني وعشرون سنة في التلفزيون المصري، وكان يهدف إلى تناول العلم علي الأسس الإيمانية، البرنامج وصل إلى درجة كبيرة من الشهرة وقدم الدكتور مصطفى محمود أكثر من 400 حلقة على مدار ثمانية وعشرون سنة.

لكن هناك شخص ما أصدر قراراً برفع البرنامج من خريطة البرامج التليفزيونية، وقال ابنه أدهم مصطفى محمود بعد ذلك أن قرار وقف البرنامج صدر من الرئاسة المصرية إلى وزير الإعلام آنذاك صفوت الشريف، بضغوط صهيونية. كتب سبع مسرحيات مثلت علي المسرح وهي: (الزلزال، الإنسان والظل، إسكندر الأكبر، الزعيم، أنشودة الدم، شلة الأنس، الشيطان يسكن في بيتنا) وروايـة ظـهرت في السينما بعنوان: (المستحيل).

مَرَاحِلُ مصطفى محمود | MEO

تزوج مصطفى محمود مرتين المرة الأولى كانت في عام 1961 وقد أنجب من هذا الزواج طفلين ولد يدعى أدهم وبنت تسمى أمل ولكن استمر هذا الزواج لمدة 12 عام فقط، حيث انفصل عن زوجته وتم الطلاق في عام 1973، وبعد مرور عشرة أعوام تزوج للمرة الثانية من سيدة تدعى “زينب حمدي” وكان ذلك في عام 1983 ولكن لم تطل فترة هذا الزواج وفي عام 1987 انفصل عن زوجته ولم ينجب منها أطفال .   أما من حيث ديانة مصطفى محمود ومعتقداته وطائفته الأصلية ، فقد ولد لعائلة مسلمة سنية وفي 31 أكتوبر 2009 توفي الدكتور مصطفى محمود بعد رحلة علاج استمرت عدة شهور عن عمر ناهز 88 عاماً، وقد تم تشييع الجنازة من مسجده بالمهندسين.

اجمالى القراءات 1,552 , القراءات اليوم 4