آثار مصر القديمة..مبادرات أهلية لإنقاذها من الهدم والإهمال

لا تزال آثار مصرية كثيرة تعاني من الإهمال والتهميش، ومن التعدّي عليها والعبث بها أحياناً، فيما تعاني مجموعات أخرى من التباطؤ في تسجيلها ضمن قوائم الآثار الواجبة رعايتها. لا يقف أمام هذا الواقع المتردي سوى مثقفين وناشطين تتوزع جهودهم أخيراً بين التعريف بمشكلة أثرٍ ما، والدعوة إلى إنقاذ آخر، وقد يصل الأمر إلى تأسيس حملة أو مبادرة تطوعية لإزالة التعديات في حدود الإمكانات والخبرات المتاحة لديهم.

حوش الصوفية والقرافة
عاد اسم “حوش الصوفية” على ألسنة الغيورين على الآثار المصرية عندما تفاجأ الناس بأدوات الهدم الحكومية تقوم بتوسعة أحد طرق القاهرة على حساب مقابر ذات مظهر أثري ضمن قرافة المماليك الكبرى وهو سلوك دافعت عنه جهات رسمية بأن المقابر التي هُدِمت غير مسجلة ولا تنطبق عليها الشروط الأثرية اللازمة، سواء من الناحية المعمارية أو من ناحية شرط عمر المنشأة الذي ينبغي أن يتجاوز 100 عام

وهنا يتساءل الناشطون عن “حوش الصوفية” الذي هدم بنفس الطريقة في 1999، وكان يضم بداخله ضريح ابن خلدون والمقريزي والسلطان برقوق، وعدد آخر من العلماء القدامى، حيث لم تستمع الجرافات لصرخات المثقفين والأثريين آنذاك، وقامت بنبش تلك الأضرحة الأثرية ومساواتها بالأرض.

تحتمس الثاني 
يطرح ناشطون فكرة أن بعض الحسابات السياسية قد تدفع الحكومة لمجاملة نوعية من آثارنا ومنشآتنا على حساب أخرى، مثل ضخ ميزانية كبيرة لترميم معبد يهودي أو تسجيل ضريح أبو حصيرة ضمن قائمة الآثار المصرية بالرغم من التشكيك في حقيقة هذا الضريح وتاريخه. وقد يُظن أيضاً أن هناك إهمالاً للآثار الإسلامية خاصة، والحقيقة أن الإهمال يحصد تراثنا الأثري بكافة أشكاله، والحديث هنا عن المنشآت المعمارية، وليست العناصر الأخرى التي يخف وزنها ويسهل حملها إلى خارج البلاد، بل عبر حقائب دبلوماسية أحياناً.

يشهد على الإهمال العام صرخة الدكتور عاطف معتمد الأستاذ في جامعة القاهرة الذي صدمته محاضرة لباحث أوروبي يستعرض فيها تمثالاً للملك تحتمس الثاني يعود لأكثر من 3500 سنة (الأسرة 18)، وقد ذهب معتمد وفقاً للإحداثيات التي حصل عليها من الباحث الأوروبي، فوجده مهملاً وسط قرية من قرى أسوان على بعض خطوات من متحف جزيرة إلفنتين. اتصل الأكاديمي بإدارة آثار أسوان مستفسراً فقالت له إحدى الموظفات: “فعلاً التمثال لتحتمس الثاني، واحنا مطمنين إن الأهالي مراعيين التمثال، وواخدين بالهم منه كويس”

الحصواتي وشيخو 

في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه شكلت مجموعة من الشباب مبادرة لإزالة التعديات على مجموعة من آثار القاهرة التي تحوّل بعضها إلى مقالب للقمامة بدأت المبادرة بحملة للتعريف بقبة الحصواتي وأهميتها ثم تنظيفها من القمامة وتعريف سكان المنطقة بتاريخها وبعدها الأثري، بعدها تم العمل على إعادة تأهيل سبيل الأمير شيخو العمري وتنظيفه.

الفريق الذي أطلق على جهوده اسم “مبادرة سيرة القاهرة” ويسعى لإنقاذ تراث العاصمة وآثارها يتكون من الدكتور مصطفى الصادق، والمهندس صلاح الدين أبو الليل، ومحمد صلاح، زيزو عبده، ومحمود مرزوق، وحسام عبد العظيم.  فأما قبة الحصواتي فهي موجودة في منطقة الإمام الشافعي، وهي مسجلة في قائمة الآثار الإسلامية برقم 315، ويعود تاريخها إلى سنة 519 هـ/1125م، في عصر الخليفة الفاطمي الحافظ لدين الله. تحولت القبة إلى مقلب للقمامة، وتناسى الناس أهميتها التاريخية، إلى أن جاءت المبادرة لتعيد تنظيف المكان والتعريف به ودعوة سكان المنطقة للعناية به. حيث عاد إلى الضريح كثيرٌ من رونقه وجماله الذي واراه التراب زمناً طويلاً.

القبة عبارة عن مبنى من الآجر، مكعب الشكل يبلغ طول ضلعه 3.41 أمتار، يعلوه منطقة انتقال تأتى فوقها القبة مباشرة بدون رقبة، وهي قبة ممتدة مفصَّصة، وجدران القبة مكسوة بطبقة من الجص. وبالمحراب مجموعة زخارف جصية، ويحيط به مستطيل يحتوي على شريط عريض من الكتابة الكوفية.

كذلك حققت المبادرة إنجازاً ثانياً من خلال تنظيف سبيل الأمير شيخو العمري الناصري بمنطقة الحطابة في القلعة، فقام المتطوعون بتنظيفه من القمامة المُلقاة بداخله والردم والأتربة، بعد أخذ الموافقات اللازمة من الجهات المعنية. وهذا السبيل هو أقدم سبيل مملوكي مستقل، يعود تاريخه إلى سنة 1354م، وبه فرائد العمارة الإسلامية في مصر نظراً لأنه منقور كاملاً في صخر جبل المقطم أدنى قلعة الجبل من الناحية الشمالية ما عدا الواجهة التي بُنيَت بالحجر الجيري المصقول.

ضريح عز الرجال

يقع ضريح العز بن عبد السلام (1181-1262م) في منطقة البساتين بالقرب من جبانة التونسي وجبانة الإمام الليث. تحوّل المكان إلى خرابة، وكومة من الأحجار وبقايا سور كتب على شاهد فيه أنه للعالم الكبير. ولد العز بن عبد السلام في أواخر الدولة الأيوبية وتوفي في أوائل الدولة المملوكية، فالضريح ينتمي للعمارة المملوكية، وهو مكوّن من مربع كبير يبلغ طول ضلعه 15 متراً، ومن المرجح أنه كان مغطى بقبة مرتفعة. وبحائط القبلة توجد خمسة محاريب أكبرها يتوسط الحائط واثنان على كل جانب، وفي وسط الضريح توجد مقبرة عليها بناء مرتفع لعله كان مغطى بتابوت خشبىٍّ كما هي العادة في ذلك الوقت.

بثّت مجموعة من الناشطين رسائل مصورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر الحالة السيئة التي أصبح عليها الأثر الذي لم يتم تسجيله حتى الآن. الباحث يوسف أسامة استنكر إهمال هذا الأثر الجليل في فيديو خاص، كما قدم مجموعة من الحلقات على مواقع التواصل الاجتماعي حول مجموعة من الآثار التي تحتاج لإنقاذ، منها جامع مدين الأشموني، وقبة الخليل الأشرف بن قلاوون، وقبة أم الصالح، ومشهد ابن طباطبا، وقصر قوصون، وخانقاه تنكز بغا، وغيرها.

جامع الأشموني 
يقع مسجد سيدي مدين الأشموني في شارع باب البحر بحي باب الشعرية، وهو أثر مملوكي ينتمي لعصر السلطان المؤيد شيخ، وتم تشييده 1439م، ومسجل في قائمة الآثار الإسلامية برقم 82. أغلق المسجد منذ سنة 1990 من أجل إزالة المياه الجوفية وإعادة ترميمه، وحتى الآن لم يتحرك أحد لحل مشكلته التي تتفاقم يوماً بعد يوم وتهدد وجوده.
ورداً على حملة أقامها نشطاء لإنقاذ المسجد من الغرق والهلاك في المياه الجوفية، ذكر أحد المسؤولين بوزارة الآثار أن هذا الجامع مثل أي أثر في منطقة باب الشعرية، يعاني من أزمة المياه الجوفية، وأنه كان هناك مشروع لترميم المنطقة كلها لكن المشروع توقف لأسباب إدارية بحتة، ثم تعثرت جهود لاحقة بسبب تفشي فيروس كورونا. قائلاً: أوشكنا على استكمال الإجراءات الإدارية لاستئناف أعمال الترميم في الجامع مرة أخرى.

مسجد الصالح أيوب

في مدينة المنصورة يعد مسجد الصالح أيوب  من الآثار المهملة وغير المسجلة ضمن قائمة الآثار الإسلامية. وهو أقدم آثار المدينة، ويتناقل الناس أنه من الآثار القليلة المتبقية من العصر الأيوبي، ولكن تتضارب المعلومات عن صاحبه، وما إذا كان هو السلطان الصالح أيوب نفسه، أم أن بعض أتباعه هو من بناه تخليداً لذكراه. وللمسجد عمارة مميزة، فهو ذو تصميم معلق، أما مئذنته فهي ذات طراز مملوكي بالرغم من أنها أضيفت للمسجد في العصر العثماني.

اجمالى القراءات 353 , القراءات اليوم 6