ارتفاع مصروفات التعليم 4 أضعاف في سنتين .. هل انتهت المجانية؟

عبد الرحمن هنداوي

قبل أيام قليلة من بداية العام الدراسي الجديد، أضافت حكومة السيسي عبئًا جديدًا على المصريين بزيادة رسوم المصروفات الدراسية للمدارس الحكومية على مختلف المراحل التعليمية بالمخالفة للدستور، وهو ما أثار جدلًا كبيرًا بين المصريين، نظرًا للظروف الصعبة التي يمرون بها، خاصة مع تعاظم الأزمة المالية التي يعانون منها جراء القرارات الحكومية الأخرى، كقرار وقف البناء 6 أشهر وقانون التصالح في مخالفات المباني وعدد من القرارات الأخرى التي تعمل على تفريغ جيوب المصريين من الأموال.

وفي العام الذي أعلن فيه وزير التعليم دكتور طارق شوقي بأنه عام تقدير المعلم، قرر الوزير زيادة المصروفات الدراسية، واعتمد القرار الوزاري رقم 155 لسنة 2020 الخاص بتحديد الرسوم والغرامات والاشتراكات ومقابل الخدمات الإضافية التي تُحصل من طلاب وطالبات المدارس بمختلف مراحل التعليم العام والفني للعام الدراسي 2020/2021.

ويتضمن القرار زيادة المصروفات الدراسية لكل المراحل التعليمية، حيث بلغت مصروفات الطلاب بالصفوف من رياض الأطفال وحتى الثالث الإبتدائي 300 جنية، والطلاب من الصف الرابع الإبتدائي حتى الثالث الاعدادي 200 جنية، ولطلاب الثانوية العامة بلغت المصاريف 500 جنية للعام الواحد، بينما بلغت مصروفات طلاب صفوف التعليم الثانوي الفني بكافة أنواعه وأنظمته 200 جنية للعام الواحد.

وبذلك القرار تكون المصاريف الدراسية ارتفعت إلى أكثر من 4 أضعاف تكاليفها في العامين السابقين، حيث كانت تبلغ المصروفات الدراسية في عام 2018 لرياض الاطفال 70 جنية، وللمرحلة الابتدائية 90 جنية، وللمرحلة الاعدادية 95 جنية، وللثانوية العامة 120 جنيه، بينما ارتفعت في عام 2019 لتصل إلى 145 جنية لمرحلة رياض الأطفال و160 جنيهًا للمرحلة الإبتدائية و150 جنيهًا للمرحلة الإعدادية، و170 جنيهًا للمرحلة الثانوية.

 

1.6 مليار جنية بالمخالفة للدستور

 

وكعادة حكومة السيسي التي لا تلقي بالًا للدستور الذي وضعته بأيديها ولا تتوقف عن مخالفته، جاء قرار وزير التربية والتعليم الأخير مخالفًا للدستور الذي ينص في المادة 19 صراحة على أن التعليم المجاني حق أساسي لكل مواطن مصري، ووضع حجر أساس هذه المادة منذ أكثر من 80 عامًا في دستور 1923، لكن يبدو أن السيسي عقد العزم منذ البداية على رفع أسعار كافة الخدمات وإلغاء الدعم الذي تقدمه الدولة للمواطنين غير مبال للدستور ولا للقوانين التي تحكم البلاد.

ما يجعل قرار زيادة الرسوم قرارًا مؤثرًا للغاية بخلاف تلك القرارات التي تستهدف بعضها فئة معينه، أن هذا القرار يمس بشكل مباشر ما يزيد عن 20 مليون طالب في مختلف المراحل الدراسية دون الجامعية، وتشير تقديرات “الملخص الإحصائي للتعليم ما قبل الجامعي للعام الدراسي 2019-2020″، إلى أن إجمالي عدد الطلاب في مرحلة ما قبل التعليم الجامعي في مصر يبلغ 23 مليون طالب، منهم 21 مليون بالمدارس الحكومية، و2 مليون طالباً بالمدارس الخاصة، والتي تتأثر هي الأخرى بهذا القرار وترفع من رسومها إستنادًا إلى السياق العام التي تعمل في إطاره الدولة من خلال رفع الأسعار كل عام لمختلف الخدمات.

الجدير بالذكر أنه لم يمر سوى عام على انتقاد السيسي مطالب المعلمين بشأن زيادة الرواتب، وذلك ضمن فعاليات المؤتمر الوطني الثامن للشباب، حيث قال إن مصر بها 1.8 مليون معلم، وفي حالة زيادة 1000 جنية لراتب كل معلم شهريًا، فسوف تبلغ تكلفة ذلك القرار على ميزانية الدولة حوالي 13 مليار جنية، وهو ما يمثل عبئًا كبيرًا على الموازنة.

عام واحد كان كاف لإثبات تناقض السيسي، حيث أعلن أن زيادة ألف جنية لحوالي 1.8 معلم عبئًا كبيرًا على الدولة، بينما زيادة مصروفات المدارس بنسبة وصلت إلى 200% على المصريين لا تشكل عبئًا عليهم، وحسب آخر إحصاءات رسمية من وزارة التربية والتعليم، فإن عدد طلاب مرحلة رياض الأطفال حوالي مليون ونصف طالب، وتبلغ نسبة الزيادة فقط عن العام السابق التي سيدفعها أولياء أمورهم للحكومة حوالي 226 مليون جنية، وبلغت الزيادة على مصروفات المرحلة الابتدائية البالغ عدد طلابها نحو 13 مليون طالب حوالي 512 مليون جنية، وفي المرحلة الإعدادية نحو 5 مليون طالب وهو ما يعني زيادة قدرها 261 مليون جنية، أما طلاب الثانوية العامة فيبلغ عددهم 1.8 مليون طالب وتقع عليهم الزيادة الأكبر حيث ستزيد المصروفات بنسبة 554 مليون جنية، بينما يبلغ عدد طلاب التعليم ثانوي الفني نحو 2 مليون طالب، وستبلغ الزيادة 61 مليون جنية، أي أن إجمالي ما ستحصل عليه الدولة جراء هذا القرار من جيوب المصريين حوالي 1.6 مليار جنية، هذا المبلغ يضاف إليه ما تحصل عليه الدولة بالفعل قبل زيادة المصروفات.

 

الإدارة بالبلطجة

 

انتقد الخبيرالتعليمي كمال مغيث قرار وزير التربية والتعليم وقال أن القرار أتخذ دون مشاورة المجلس الأعلى للتعليم ولا مجلس نواب ولا مجلس خبراء، ولا أي مجلس استشارى، وليس هذا سوي مفهوم جديد للإدارة هو “الإدارة بالبلطجة”، وتسائل مغيث هل أصبحت حكومتنا مندوبة لصندوق النقد الدولي وإدارة شؤون البلاد؟، ملايين من تلاميذنا وطلابنا الفقراء لم يكن أمامهم إلا الإعتماد على أنفسهم واجتهادهم ومعلميهم ومدارسهم المجانية، للتعلم ودخول الجامعة والأمل في مستقبل واعد.

وأضاف مغيث أن للإدارة أنواع منها، الإدارة وفق معايير الجودة، والإدارة التشاركية، والإدارة المنظومية، والأدارة بالأهداف، لكن في حالتنا ما نوع الإدارة التي تجعل وزارة التعليم تقرر رفع المصروفات الدراسية أضعافا مضاعفة، دون أن تعبأ بالدستور الذي ينص على مجانية التعليم فى مدارس الدولة، ودون أن تعبأ بأن أكثر من نصف المصريين تحت خط الفقر، كما ما الذى يدفعها لتجبر الطلاب في الثانوي على الاشتراك في باقات الإنترنت، لمجرد قراءة كتبهم من على موقع بعد امتنعت عن طباعتها، وللدخول على بنك المعرفة والمنصات التعليمية، ودون أي دراسة لقدرات ولا واقع ولا بيئات الطلاب.

وأكد الخبير التعليمي أنه لم يعد للفقراء مكان في مدارسنا المجانية، للأسف قد انتهى ذلك العهد، فأصبح على هؤلاء الفقراء أن يدفعوا 300 إلى 500 لمجرد تسجيل اساميهم في مدرسة لن يتلقوا فيها دروسا مجانية، وأصبح على من يريد التعلم أن يدفع نحو ألف جنيه شهريا لمجموعات التقوية في المدارس التي جانت مجانية، وأن يكون لديه كمبيوتر ويدفع ثمن كروت الشحن للدخول إلى منصات المعرفة وبنك المعلومات وإسأل المعلم.

من جانبه أوضح الخبير التعليمي دكتور مجدي عبد الحميد أنه منذ زمن بعيد أصبحت مجانية التعليم حق مكفول حتى سن الخامسة عشر كحد أدني في جميع أنحاء العالم بمقتضي كافة المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، كما تمت ترجمتها والتأكيد عليها بمئات القرارات الدولية كما في دساتير الدول المختلفة الديموقراطية منها والاستبدادية، الغنية والأقل غني وحتى أفقر دول العالم.

مشيرًا إلى أن إعادة طرح السؤال المتعلق بحق ثابت وأكيد و إرتفاع بعض الأصوات بالحديث اليوم عن سلب ذلك الحق و القول بأن كل شئ في الدنيا أصبح بثمن وأن اللي ممعهوش ما يلزمهوش، سواء بشكل مباشر من خلال رفع كلفة التعليم المجاني بزيادة الأعباء المالية المباشرة والغير مباشرة التي أصبحت فوق طاقة الغالبية العظمي من الأسر الفقيرة، أو بشكل غير مباشر من خلال الحجم المتدني للمخصصات المالية الموجهة للتعليم العام المجاني في موازنة الدولة والتي يؤكد الخبراء و المتخصصين علي ضرورة مضاعفتها ثلاث مرات علي الأقل لحماية العملية التعليمية من الانهيار الكامل.

وأكد عبدالحميد على أن الدفع في إتجاه تدمير التعليم العام المجاني بالتحايل بكافة الطرق والأساليب هو نتاج فكر وعقلية رأسمالية متوحشة وغبية وحمقاء يدفعها ضيق أفقها ورؤيتها الدونية وإحتقارها لشعوبها ليس فقط إلي سلب حقوق أصبحت راسخة في وجدان وضمير الإنسانية، ولكن أيضا إلي أن تعمل حتي ضد مصلحتها هي نفسها، ذلك أن الإستمرار في ذلك النهج سيؤدي إلي إستقبال الواقع المصري سنويًا لمئات الآلاف من الأطفال أعمارهم بين الثانية عشر والخامسة عشر بلا علم، بلا موهبة، بلا كفاءة، بلا صنعة ينطلقون في الشوارع نهبا للفقر والضياع و الإدمان ويصبحون عبئا علي الإقتصاد والمجتمع كما من الممكن أن يتحولوا إلي مادة خام لتدمير قيم المجتمع وثقافته وعاداته وتقاليده الأصيلة.

فيما تقدم النائب البرلماني هيثم الحريري برسالة للدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء طالب فيه بإلغاء الزيادات الجديدة في المصاريف الدراسية بالمدارس الحكومية حفاظًا على مستقبل أبنائنا الطلاب الذين يمثلون الاستثمار الوحيد والأهم لدى كثير من الأسر المصرية.

مضيفًا في الرسالة أن هذه الزيادات على مدار سنوات ثلاث لا يتحملها الكثير من الأسر المصرية خاصة في ظل الظروف الاقتصادية التي يمر بها المصريون وارتفاع كافة السلع والخدمات بشكل رهيب في ظل سياسة الحكومة في تحميل المواطنين التكاليف الكاملة للمياه والكهرباء والغاز والمترو وغيرها من السلع والخدمات

وأشار إلى أن وفقا لما جاء على لسان وزير التعليم فإن الحكومة صرفت ٥٠٠ مليار جنيه على التعليم في السنوات الخمس الأخيرة كلام ينقصه الدقة فطبقا للدستور المصري كان يجب ان يتم تمويل موازنة التعليم ثلاثة اضعاف هذا المبلغ طبقا لنص الدستور خاصة في ظل تخفيض رواتب العاملين منذ عام ٢٠١٥ في التربية والتعليم في ظل قانون الخدمة المدنية وتجميد الحوافز والمكافات على اساسي ٢٠١٤ .

اجمالى القراءات 1,947 , القراءات اليوم 18