ملاحظات أساسية حول الحضور التركي في الصراع الأذري الأرمني

ماجد عزام

بقلم/ ماجد عزام 

لا تمكن مقاربة الصراع المتجدد بين أذربيجان وأرمينيا في إقليم ناغورنو كاراباخ الأذري المحتل والحضور التركي فيه؛ دون معرفة أو استحضار تاريخ الصراع نفسه، كما علاقته مع القضايا السورية الليبية والقبرصية والشرق متوسطية، ومحاولة تحجيم الحضور التركي وإضعافه. إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيطاليا “أذربيجان” فيجب علينا أن نعرف ماذا في البرازيل (سوريا، ليبيا، شرق المتوسط)، هكذا كان يقول الفنان السوري الممثل والمؤلف والمخرج العبقري نهاد قلعي (حسني البورظان) رحمه الله، المبدع النزيه والمحترم، والذي ما كان بإمكان النظام العصابة تطويعه أو استخدامه، كما فعل ويفعل مع تلميذه دريد لحام، لذلك تم التخلص منه واغتياله بطريقة خسيسة وجبانة على عادة النظام البشع الموصوفة والإجرامية.

احتلت أرمينيا إقليم ناغورنو كاراباخ وخمس محافظات أخرى بما يعادل خُمس مساحة أذربيجان في العام 1992 بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، مستغلة تواطؤ بقايا الجيش السوفييتي معها، وارتكبت مذابح موصوفة بحق آلاف الأذريين في الإقليم وبقية المحافظات المحتلة، وشردت مليون مواطن منهم تقريباً. ورغم صدور أربعة قرارات عن مجلس الأمن الدولي تطالبها بالانسحاب، وتشكيل مجموعة مينسك برعاية منظمة الأمن والتعاون الأوروبي لحل القضية، إلا أن أرمينيا الصغيرة تصرفت دائماً بذهنية متغطرسة عنجهية وموتورة ورفضت الانسحاب، ضاربة بالمساعي السياسية والدبلوماسية الأوروبية والدولية عرض الحائط في غياب ضغط جدي وحقيقي عليها للانسحاب، سواء روسي أو غربي.

أذربيجان لم تجد في ذلك الوقت داعماً إلا إسرائيل، وبدرجة أقل أمريكا، فبدأت في شراء الأسلحة من تل أبيب، ونسجت علاقات سياسية واقتصادية جيدة مع واشنطن، خاصة مع توجهاتها العلمانية ورغبتها في الانفتاح على الغرب بشكل عام، علماً أنها حافظت على علاقات جيدة مع روسيا القوى العظمى في المنطقة رغم انحيازها إلى جانب أرمينيا المسيحية الأرثوذكسية.

تغير المشهد تماماً في السنوات الأخيرة مع تزايد الحضور التركي في المنطقة ورغبة أنقرة في التحرر من القيود، واتباع سياسة خارجية مستقلة متوازنة قائمة على حفظ مصالحها القومية وروابطها التاريخية الدينية والعرقية، فبدأت في تمتين العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية مع أذربيجان، ضمن انفتاح عام على المحيط التركي الإسلامي في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة. وعموما وفي السياق التركي الأذري تمكن الإشارة إلى ثلاثة معطيات أساسية

– تطوير علاقات سياسية قوية عبر تشكيل مجلس أعلى رفيع المستوى يضم قادة البلدين لوضع العلاقات في إطار استراتيجي، مع زيارات متبادلة مستمرة (أذربيجان من أكثر البلدان التي زارها الرئيس أردوغان) شهدت نقاشات مكثفة حول كيفية تطوير العلاقات في المجالات كافة.

– تطوير العلاقات الاقتصادية ومضاعفة حجم التبادل التجاري، واستعداد تركيا لاستخدام خبراتها في تطوير الاقتصاد الأذري وبناه التحتية، وعلى كافة المستويات مع حيّز مهم طبعاً لقطاع الطاقة ومشاريع عملاقة لنقل النفط والغاز الأذريين إلى تركيا، ومن ثم إلى أوروبا عبر خطي تاناب وباكو- تبليسي- جيهان.

– التعاون العسكري؛ تضمن تدريب تركيا للجيش الأذري وإعادة تنظيمه مع إجراء مناورات مشتركة مكثفة وتزويده بأسلحة تركية نوعية، خاصة الطائرات المسيرة “بيرقدار” التي أثبتت كفاءتها في سوريا وليبيا، كما في التصعيد الأخير بإقليم ناغورنو كارباخ المحتل.

إضافة إلى ما سبق، دعمت تركيا أذربيجان دائماً في مطالبتها بانسحاب أرمينيا من الأراضي الأذرية المحتلة وفق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، واعتبرت محقة طبعاً، أنّ استمرار الاحتلال الأرمني لكارباخ سيمثل دائماً عامل من عوامل التوتر وعدم الاستقرار في القوقاز والمنطقة بشكل عام. أما وفيما يخص جولة التصعيد الأخيرة التي تحولت إلى حرب، وجولات التصعيد التي سبقتها، فلا يمكن فهمها إضافة إلى ما سبق دون أخذ التطورات والملفات الإقليمية السورية الليبية والشرق متوسطية بعين الاعتبار.

في جولة التصعيد قبل الأخيرة (تموز/ يوليو الماضي) استدعت أذربيجان السفير الأردني وقدمت له احتجاجاً رسمياً على إرسال عمّان شحنات أسلحة إلى أرمينيا. طبعاً الأردن لا ناقة له ولا جمل، وقام بنقل الأسلحة بناء على أوامر أو تعليمات إماراتية، تماماً كما فعل ويفعل مع المتمرد خليفة حفتر في ليبيا، حيث لا ناقة ولا جمل له أيضاً.

هنا بدأ دخول الإمارات على الخط لافتاً، وجاء بعد الخيبات في ليبيا وكسر مشروعها المتمثل بالانقلابى خليفة حفتر، وتم التنسيق مع فرنسا الموتورة والمهزومة والداعمة لحفتر أيضاً، والتي تحتفظ بعلاقات جيدة مع أرمينيا، علماً أنها عضو بمجموعة مينسك المكلفة حل النزاع وفق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. أما جولة التصعيد الأخيرة فمرتبطة مباشرة بنزع فتيل التوتر في شرق المتوسط وصمود تركيا وفرضها لرؤيتها ومصالحها، وتجاوز التصعيد العسكري مع اليونان الذي حرّضت عليه فرنسا وحتى الإمارات مباشرة عبر مناورات مستفزة وموتورة مع الجيش اليوناني بالمنطقة.

كما جرى في سوريا وليبيا وشرق المتوسط بالضبط، سعت الإمارات وفرنسا للانتقام وإشغال واستنزاف تركيا وشيطنتها باعتبارها مصدر توتر، رغم أن تركيا على الجانب المحق أخلاقياً وسياسياً وقانونياً في أذربيجان، وفي ليبيا تدعم الحكومة الشرعية وتطالب بتطبيق الشرعية الدولية، وهو ما تفعله في سوريا أيضاً عبر الإصرار على تطبيق الشرعية الدولية والحل العادل دون بشار الأسد ونظامه، مع محاسبته على جرائمه الموصوفة بحق الشعب السوري.

أما روسيا فقد دعمت تاريخياً أرمينيا (مسيحية أرثوذكسية مثلها)، ولكن قبل عامين تمت إقالة أحد رجالاتها واستبداله برئيس وزراء آخر مقرب من أمريكا والغرب، ولذلك لم تمانع التدخل الإماراتي الفرنسي والتصعيد الأذري الأرميني معتبرةً أنه سيصب في صالحها وقد يكون مبرر للابتزاز والمساومة مع تركيا، كما تفعل في ليبيا وسوريا.

وفي السياق السوري، فأرمينيا من ضمن دول قليلة جداً تعد على الأصابع احتفظت بعلاقاتها الرسمية مع نظام بشار الأسد، كما دعمت مليشيات أرمينية مسيحية متطرفة قاتلت، بل ارتكبت جرائم حرب مع الأسد، والآن يجري العكس، حيث يتم إرسال مرتزقة من سوريا وحتى من لبنان إلى أرمينيا للقتال في معركتها الخاسرة على أية حال.

عموماً يمكن القول إن الاصطفافات في النزاع الأذري الأرمني تشبه إلى حد كبير الاصطفافات في سوريا وليبيا وشرق المتوسط. إيران طبعاً تدّعي الحياد، ولكنه حياد غير إيجابي، منحاز وغير منصف. فعلاقاتها جيدة بأرمينيا رغم أن الأذريين مسلمون شيعة، لكنها لا تستطيع الذهاب بعيداً في العلاقة مع الأرمن لضغوط التركمان الأذريين وهم قوة كبرى (ثلث إيران تقريباً) ويقفون خلف البيان الخجول الإيراني اليتيم تجاه الحرب الجارية.

ويمكن القول إن موقف طهران المنافق مماثلاً لموقفها في لبييا، حيث تتحدث عن دعم حكومة الوفاق المعترف بها والشرعية الدولية، ولكنها جوهرياً تقف إلى جانب حفتر وحلفائه، وتغض النظر عن إرسال مرتزقة (شبيحة الأسد) ممن قاتلوا معها أصلاً للقتال إلى جانبه، مع عدم تجاهل قصة إرسال أسلحة إيرانية لمليشيا حفتر، كما قالت حكومة الوفاق في بيانات رسمية.وفي ما يتعلق بأمريكا وأوروبا فموقفهما ضعيف وضبابي وأقرب إلى الحياد السلبي، وكما ليبيا تتصدر فرنسا المواقف السلبية والمنحازة. وعموماً لا يمكن الحديث عن موقف أمريكي أو أوروبي جدّي وفعّال، وهم يتحملون المسؤولية أساساً عن استمرار الاحتلال الأرميني للإقليم لثلاثة عقود تقريباً.

أما إسرائيل فعلاقاتها جيدة مع أذربيجان لعدة أسباب؛ تتعلق بالاستفادة من تواجدها هناك للإطلالة على ما يجري في إيران، وفي الحد الأدنى لإبعاد باكو عن طهران، ناهيك عن الاستفادة من تجارة الأسلحة معها، لكنها سياسياً بقيت صامتة تقريباً طوال جولات التصعيد، بل إن السفير الأرمني في تل أبيب قال يوم الاثنين إن هذه الأخيرة ستوقف بيع الأسلحة إلى أذربيجان.

إلى ذلك، قالت صحيفة معاريف الاثنين أيضاً إن أذربيجان قد تعيد النظر في علاقاتها مع إسرائيل باتجاه تبريدها أو تخفيض مستواها دون القطع نهائياً، وهذا يعيدنا مباشرة إلى العلاقات التركية المتنامية مع أذربيجان.

تركيا هي القوة الكبرى التي تقف إلى جانب أذربيجان سياسياً وإعلامياً واقتصادياً وعسكرياً، وطبعاً دون انخراط مباشر في البعد العسكري، ولكن مع إصرار على تطبيق الشرعية الدولية وقراراتها، وتجاوز فشل وتواطؤ مجموعة مينسك، ودعم المطلب الأذري المحق بانسحاب الاحتلال الأرمني من إقليم ناغورنو كارباخ وبقية المناطق المحتلة، وانفتاح طبعاً على نقاش حول إعطاء المواطنين الأذريين من أصل أرمني كامل حقوقهم في الإقليم. وفي كل الأحوال، وعلى عكس ما أراد خصومها، فقد فرضت تركيا نفسها لاعباً مركزياً ومهماً لا يمكن تجاوزه في القوقاز، كما في سوريا وليبيا وشرق المتوسط.

اجمالى القراءات 2,286 , القراءات اليوم 6