المحاكمة

ياسر عبد العزيز

بقلم/ ياسر عبد العزيز 

امتلأت قاعة المحكمة عن آخرها، جُل الحضور من الصحفيين والإعلاميين من وسائل الإعلام المحلية والعالمية وعشرات من المواطنين، منهم ذوو الضحايا. وخارج المحكمة وقف المئات يحاولون الولوج إلى قاعة المحكمة ويمنعهم الأمن حرصا على سلامتهم وسلامة المبنى. وخلف شاشات التلفزيون جلس الملايين في شتى بقاع الأرض، ينتظرون بدء واحدة من أهم المحاكمات في القرن الواحد والعشرين، فالجريمة متعدية وآثارها طالت بلدانا مختلفة، فوزن البلد الذي وقعت فيه الجريمة ثقيل في محيطها الجغرافي والإقليمي. يصيح حاجب المحكمة بصوت جهور تملؤه الحماسة والفخر في ذات الوقت، فالكاميرات تصوره الآن والأقمار الصناعية تنقل صوته وصورته، فالرجل يعلم أن التاريخ سيحفر كل تفاصيل المحاكمة في أعماق وجدان البشرية: محكمة.

يقف الحضور لحظة دخول قضاة المحكمة، يسمح لهم رئيس الجلسة بالجلوس ثم يقول موجها كلامه لأمين سر الجلسة: نادي على المتهمين. وبصوت لم يختلف كثيرا وبأداء أشبه بما أدى به الحاجب صرخته الأولى صاح أمين سر الجلسة: المتهم الأول عبد الفتاح السيسي، المتهم الثاني صدقي صبحي، المتهم الثالث أسامة الجندي، المتهم الرابع عبد المنعم ألتراس، المتهم الخامس المستشار حامد عبد الله، المتهم السادس أحمد الطيب، المتهم السابع وجيه صبحي باقي سليمان؛ الشهير بتواضروس الثاني، المتهم الثامن محمد البرادعي، المتهم التاسع جلال مرة، المتهم العاشر محمود بدر، المتهم الحادي عشر محمد عبد العزيز، المتهم الثاني عشر سكينة فؤاد. القاضي: ممثل الادعاء. يقف رئيس النيابة على يمين المنصة ليتلو قرار الإحالة في نبرة يملؤها التعطش لعدالة ناجزة تعيد الأمور إلى نصابها وترجع الحق لأصحابه، وتعوض أهالي الضحايا بقصاص عادل يشفي الصدور:

“وفقا لنص المادة 86 و86 مكرر فقرة (أ) من قانون العقوبات، فقد كوّن المتهمون السالف ذكرهم جماعة الهدف منها الإخلال بالنظام العام وتعريض سلم المجتمع وأمنه للخطـر، واتفقوا على تعطيل الدستور وفق إقرارهم في التسجيل المصور والمحرز رفق أوراق الدعوى، والذي جاء في البيان الذي تلاه المتهم الأول. ولما كانت الدعوة لتعطيل الدستور وتهديد السلم والأمن المجتمعي جاءت بين أفراد القوات المسلحة، فإن النيابة تطالب بمعاقبة المتهمين بالإعدام على ما اقترفته أيديهم”.

القاضي: الدفاع. يقف أحد المحامين الكبار “في السن” والمشهور دفاعه عن الجواسيس وقيادة الدولة الفاسدين، ليطلب من المحكمة مهلة لتحضير الأوراق وإحالة المادة المصورة رفق أوراق الدعوى إلى خبير هندسي، حيث يشكك المتهمون في صحة المادة وما جاء فيها، فالمتهم الأول ينكر تلاوته البيان صلب القضية، كما طلب إحالة المتهم الأول إلى إحدى مستشفيات القوات المسلحة حيث يعاني من أمراض خطيرة تعرض حياته في محبسه للخطر.

القاضي: هذه الدفوع وردت في كثير من القضايا بعد الثورة، وقت أن كان القضاء مسيسا والدوائر تختار بعناية لتعطيل سير العدالة، أما الآن وقد تحررت مصر فإن هذه الدفوع تعد من جرائم الجلسات التي يعاقب عليها القانون. يا أستاذ أنت بتضلل المحكمة وتحرفها عن نظر الدعوى، لو عندك دفاع موضوعي اتفضل وإلا سأحجز الدعوى للحكم، يسكت المحامي “الكبير” فيرد القاضي: الحكم آخر الجلسة.

مهما طال الزمن فإن الحق نافذ، ومهما علا الباطل فإنه ساقط لا محالة، وإن كانت هذه سنة الله في الأرض، إلا أن سنته أيضا نصر من يُعد ويستعد ويخطط ويفكر ويدبر ويجهز. فمن مقتضيات إنفاذ عدل الله في الأرض استعداد أهل الحق وجاهزيتهم لتحمل عبء الأمانة، فماذا بعد أن ينتصر الله لأهل الحق، إن لم يكونوا مستعدين لتحمل هذه الأمانة التي انتزعها من أهل الباطل والظلم؟ والاستعداد لا يعني الشجاعة والاستبسال والرغبة في التضحية، فالأمانة بالأساس هي تحمل تسيير الحياة بمتطلباتها وما يطرأ عليها من علوم. فأهل الحق الذين يستحقون النصر والتمكين هم أولئك الذين لا يفقدهم الحق في منشط ولا مكره، الذين يملأون ثغور الحياة ويصنعون لأمتهم الرفاه، ولا يجدنا الله في مواضع الضعف والتفرق والجهل والتواكل، فعلينا أن نحفظ الثغور كي نحيي الأمة. ملحوظة: هذا المقال كتب بمناسبة مرور الذكرى السابعة لانقلاب الثالث من تموز/ يوليو.

 847 total views,  4 views today