الحلول الإبداعية طريق مصر في أزمة سد النهضة

ياسر عبد العزيز

بقلم/ ياسر عبد العزيز 

بداية، إن أزمة سد النهضة وحصة مصر المتآكلة من حقها التاريخي في مياه النيل بموجب الاتفاقيات الدولية المقرة عبر عشرات السنين لا تخضع للمزايدات ولا المكايدات السياسية، فالمعارضة أو كما أحب أن أسميها الحقيقي، المقاومة السلمية، لا يمكن أن تراهن على حياة المواطن المصري، من أجل كسب هدف في مباراة الصراع على السلطة المغتصبة من قبل النظام الانقلابي، هذه المسلمة التي يجب أن يفهمها النظام قبل الشعب، وما كانت المقاومة السلمية لتسعى للحكم ولا لتلهث نحوه، وإنما أرادت أن تصحح مسارات منحرفة وتقوم سلوكا معوجا، ويكفي أن ثوار يناير بكل مكوناتهم لم يؤخذ عليهم شبهة فساد.

في مقال “الجديد في مفاوضات سد النهضة.. مصر عطشت” لم يكن القصد المكايدة ولا الشماتة، فهذا ليس من شيم المحبين المخلصين لوطنهم، ولكن كان المقال بمثابة جرس إنذار يدق من أجل تنبيه الشارع المصري لخطورة المراوغة التي يقوم بها الطرف الإثيوبي والتعامل الفاشل الذي ينتهجه النظام في مصر مع هذه المراوغات، وفي مقال “عندما يتحرك المخلصون في مصر” أثنينا على الورقة التي قدمها الفنيون في مصر في الاجتماع الوزاري الثاني لحل أزمة السد، التي شملت مقترحات تمثلت في : التكيف مع الظروف الهيدرولوجية، والتدفق السنوي، ومعدل ومستوى المياه الحرج في خزان السد العالي في مصر، وهي الخطة التي بموجبها يمكن الحفاظ على معدلات آمنة لتخزين المياه الإستراتيجية في بحيرة السد العالي، ومن ثم فإن على المخلصين أن يستكملوا مسارهم، فلا النظام يستطيع ولا المعارضة تملك ولكن الشعب يقدر لو تحرك.

فإن كانت المقترحات التي قدمتها اللجنة الفنية في وزارة الري في الاجتماع الوزاري الثاني لحل أزمة السد تحل جزئيا بحسب النظرة العامة للقيادة السياسية للنظام في مصر، إلا أنها لا تحل المشكلة بالكلية، من الطبيعي أن نقول إن النظام المصري أضاع حق مصر التاريخي في حصتها في مياه النيل، لاسيما أمام القمة الإفريقية المصغرة المنعقدة أخيرا، بدليل اعتراف النظام بأن ما تم الاتفاق عليه هو في حدود 90 – 95 %،  في حين أن ما تم الاتفاق عليه لا يتجاوز بحسب تقديرات الخبراء الــ 5 أو 10 % على أقصى تقدير.

كما أنه لم يصر علي عدم ملء السد إلا بعد إبرام اتفاق ملزم، ما يضع إثيوبيا عند مسئولياتها أمام الاتحاد الإفريقي، ومن فضل القول الحديث عن أن إثيوبيا لم تخطر مصر بالبدء في بناء السد رغم الاتفاقيات الموقعة حتى قبل الاتفاق الإطاري الذي وقع عليه النظام وأضاع حق مصر التاريخي، وحتى بعد توقيع الاتفاق الإطاري فإن الاتفاق على الانتهاء من الدراسات الخاصة بالسد لم تقدم من قبل إثيوبيا بالشكل العلمي المنهجي، واعترضت عليه كل من مصر والسودان، ما يصم إثيوبيا بالالتفاف وعدم الشفافية، ويجعل من الواقعية القانونية اتهامها بتهديد السلم والأمن الدوليين، لا كما فعل النظام باستعراض القوة وإرسال جنود إلى جنوب السودان، كما يثار الآن في الدوائر الإعلامية، ومن ثم يفتح الباب أمام كل من مصر والسودان للتحرك أمام مجلس الأمن، ليس بالطريقة الدعائية التي تحرك بها النظام في مصر وإنما بشكل قانوني ومنهجي، متسلحا في ذلك بممثل إفريقيا في مجلس الأمن ومستفيدا من ممثل العرب في المجلس، لكن ذلك لم يحصل.

مع كل هذه المخاطر فإن هناك خطر أكبر ناتج عن تحرك إثيوبيا منفردة في ملف النيل، وهو تركها سابقة قانونية وسياسية تفتح الباب لباقي دول حوض النيل في اتخاذ خطوات مشابهة، وهو ما بدأ يثار فعليا هذه الأيام، ما يعني أن الخطر أصبح مضاعفا على مصر ومن ثم السودان، وهو ما يجب وقفه سريعا، حتى لا تترسخ الفكرة في ظل لعب الكيان الإسرائيلي في ملف النيل بقوة والذي بدأ منذ ستينيات القرن الماضي ويتوج الآن في ظل رخاوة السياسة المصرية في القرن الإفريقي ومع دول حوض النيل، وبناء عليه، فإن التحرك الشعبي المصري يجب أن يكون أسرع وأقوى في ظل سباق الزمن الذي أجبرتنا إثيوبيا على دخوله، ونحن مكبلين، بنظام معيق وتكتيكات ضعيفة وعدم رؤية حقيقية لحجم المشكلة في ظل وعود سرابية من الدول الكبرى يتكئ عليها النظام ليخرجوه من أزمته، التي يحاول أن يصور أنه يحلها وهو مقتنع بنهايتها التي لن ترضي الشعب المقموع بدبابته.

ومن ثم فإن التحرك الآن يجب أن يكون من خلال مسارين، الأول مسار سياسي، مرغمين سنقبل أن يديره النظام، ومسار شعبي من خلال الدبلوماسية الشعبية للتحرك ليس على إثيوبيا كما فعل الثوار إبان ثورة يناير، ولكن على كل دول حوض النيل، تحرك مبني على قاعدة (الربح للجميع) فيجب ترسيخ فكرة أن النيل ملك للجميع وعلى الجميع أن يستفيد منه من خلال خطط تنموية تشمل الجميع، سواء على مستوى الكهرباء التي تحلم بتصديرها إثيوبيا أو على مستوى الزراعة والري أو التجارة البينية، ولدى المعارضة أو المقاومة السلمية دراسات جاهزة في هذا الشأن يمكن التحرك بها جديا لإنقاذ مصر من الكارثة المنتظرة بعد كارثة الانقلاب.

 340 total views,  2 views today