تأملات هادئة في الرد الإثيوبي

د. أحمد يوسف أحمد - السيرة الذاتية

بقلم/  د. أحمد يوسف أحمد

كان المفروض أن يصف عنوان المقالة التأملات بالغاضبة لكننا نمر بموقف يحتاج أقصى درجات الهدوء وضبط النفس لمواجهة واحد من أخطر تحديات الأمن المصري إن لم يكن أخطرها، والواقع أن من يقرأ الرد الإثيوبي على المذكرة المصرية الرصينة لمجلس الأمن أول الشهر الماضي يخرج بانطباع أكيد مفاده التشاؤم المطلق من مستقبل التفاوض مع إثيوبيا بشأن سد النهضة ومن ثم ضرورة الاستعداد لما بعدها، ويصور الرد المطول الذي أرسلته إثيوبيا للمجلس النزاع وكأنه يدور بين شيطان وملاك، أما الشيطان فهو مصر التي “احتكرت” مياه النيل طيلة ما يقارب القرن على حساب دول الحوض، ويفعل هذا الشيطان كل ما بوسعه للحفاظ على وضعه الاحتكاري بحجتي الحقوق التاريخية والاستخدامات الحالية المستندتين إلى ميراث استعماري واللتين لا تتركان شيئاً لدول الحوض (استخدمت المذكرة وصف “الصفر” لنصيب هذه الدول!)، وقد تجاهل هذا الشيطان دوماً الاحتجاجات الإثيوبية على أعماله المائية بدءاً بالسد العالي واتفاقية١٩٥٩ مع السودان ووصولاً إلى مشروع توشكى وترعة السلام! أما الملاك الإثيوبي فقد حرص من اللحظة الأولى للتفكير في إنشاء “سد النهضة” على التشاور مع دولتي المصب غير أن سلوك مصر العنيد المتمسك بالرغبة في إدامة وضعها الاحتكاري أدى إلى إفشال هذا كله.

تنطلق إثيوبيا في موقفها من مفهوم “السيادة” الذي يترادف فهمها له مع “الملكية المطلقة” للنيل تفعل فيه ما تشاء، ويبدو هذا واضحاً في اعتبار مطالبة دول المصب بأن يكون لها رأي في تشغيل السد عدوان على هذه السيادة، كذلك ترفض ما تسميه بالاتفاقات الاستعمارية التي لم تكن طرفاً فيها، وتتعلل في موقفها بالفقر المدقع لشعبها الذي يحتاج السد للتنمية لانتشاله من هذه الحالة وأن ٦٥مليون إثيوبي لا تصلهم الكهرباء بينما يتمتع كل المصريين بها، وأن في السد خيراً للجميع بمن فيهم مصر التي لا يسبب لها السد أي أضرار جسيمة!، وأن المواقف الإثيوبية عكس المصرية تتسق وقواعد القانون الدولي، وتتسم هذه الحجج كافة بالعمومية لدرجة تُمَكن من وصفها بالفارغة والمغالطة واللاقانونية، فالسيادة في سياقها الدولي المعاصر لا يمكن أن تُفهم إلا في ضوء قواعد القانون الدولي الحاكمة لهذا النزاع، وإذا كانت إثيوبيا تعتقد بسلامة موقفها القانوني سواء في رفض قواعد التوارث الدولي أو في خططها المتعلقة بالسد فلماذا تفزع من التدويل وترفض اللجوء إلى الآليات القانونية؟ وهي تجزم بأنه لا أضراراً جسيمة سوف تلحق بمصر دون أن ترد بحرف أو رقم واحد على ما ورد في المذكرة المصرية، بل يصل الأمر إلى القول بأنه حتى لو وقعت مثل هذه الأضرار فإن السد العالي كفيل بتلافيها كما حدث في ثمانينات القرن الماضي عندما حدث الجفاف الممتد فلم تُصَب مصر بأي سوء بينما عانى مليون إثيوبي من المجاعة، وإذا كان السد الذي بناه الشعب المصري بدمائه مفخرة حقيقية له فمن غير الممكن أن يكون ذريعة لسلب حقوقه، كذلك تحاول المذكرة الإثيوبية بخبث أن توحي بأن مصر كانت شريكاً في خطة الملء الجزئية التي رفضتها مع السودان باستخدام تعبير أنه “تم إشراك مصر فيها” was shared with Egypt بينما المعنى الحقيقي أنها “أُحيطت بها علماً” ورفضتها بطبيعة الحال، وتدعي إثيوبيا زيفاً أن ما تنوي فعله بشأن الملء يتسق وإعلان المبادئ٢٠١٥ لأن الإعلان ينص صراحة على “التعاون” في ملء السد وتشغيله، وليس ما تفعله سوى تصرف انفرادي مطلق.

وقد واجهت إثيوبيا مأزقاً حقيقياً بنجاح المسعى المصري لإشراك الولايات المتحدة والبنك الدولي في المفاوضات وهو ما ترتب عليه بعد ست جولات من المفاوضات صياغة مسودة اتفاق من قبل الولايات المتحدة والبنك الدولي وقعته مصر بالأحرف الأولى نهاية فبراير الماضي بينما غابت إثيوبيا عن الاجتماع بحجة أن المفاوضات لم تكن قد خلصت إلى نتيجة علماً بأنها كانت تستطيع رفض المسودة في الاجتماع ومواصلة التفاوض لكنها بالتأكيد خشيت افتضاح موقفها، وتعتبر إثيوبيا الاتفاق ضاراً بها لأنه يحد على نحو خطير من قدرة السد على توليد الكهرباء، ولأن القواعد التي وضعها للملء والتشغيل لا تتسق والممارسات المقبولة (دون ذكر ماهية هذه الممارسات)، ولأنه تجاوز نطاق المفاوضات على السد وينال من حقوق الأجيال الحاضرة والمستقبلة في التنمية في دول المنبع! ويقوض السيادة الإثيوبية على إدارة السد! ولا يلتفت للاتفاقية الإطارية (التي تتحفظ مصر عليها أصلاً)، ويتجاهل حقوق سكان الدول المشاطئة الذين يتجاوز عددهم ٢٥٠مليون، وكلها حجج مرسلة دون أي حقائق تدعمها، ولا شك أن دوائر صنع القرار المصرية المعنية بهذه القضية تضطلع بمهامها بمنتهى اليقظة والكفاءة، لكني أود فقط أن ألفت إلى أمور أربعة أولها الحفاظ على وحدة الموقفين المصري والسوداني التي أصبحت أيسر بكثير بعد ظهور وجهات نظر سودانية فنية وسياسية تلتقي مع الموقف المصري والتحرشات الإثيوبية الأخيرة بالسودان في المناطق الحدودية.

والثاني ضرورة بذل أقصى الجهود لتوضيح الحقائق للشعب الإثيوبي الذي لا شك في تأثره بشيطنة حكومته لمصر وجذب دول الحوض للموقف المصري حيث تحاول إثيوبيا ارتداء ثوب المدافع عن حقوقها ضد الاحتكار المصري، والثالث إيلاء أهمية خاصة لبعض الأمور الفنية الدقيقة في المذكرة الإثيوبية التي تنطوي على مغالطات واضحة لكنها يمكن أن تنطلي على غير المتخصصين ويستخدمها أصحاب الأهواء السياسية، والرابع مواصلة جهود التدويل خاصة بعد التوصل إلى موقف مشترك مع الولايات المتحدة والبنك الدولي والضغط باتجاه اللجوء إلى الآليات القضائية التي تفزع منها إثيوبيا والتي ستكون خير شاهد على سلامة الموقف المصري، وأخيراً مزيد من التحسب لأسوأ الاحتمالات بالتركيز على الحلول الداخلية والتعاون الإقليمي وهذا حديث آخر

المصدر/ صحيفة الأهرام

اجمالى القراءات 856 , القراءات اليوم 10