كيف يستغل أردوغان عضوية بلاده في حلف الناتو للي ذراع خصومه؟

حضرت تركيا في نزاعات متعددة بالشرق الأوسط بصورة متكررة في العقد الأخير، وتوسعت مواجهات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خارج حدود بلاده، مُحاولًا بكُل ما أوتي من صلاحيات، توسيع رقعة حضور بلاده عسكريًّا ودبلوماسيًّا أمام مُعسكر من الخصوم الجُدد المُصطفين معًا، لمواجهته في دول النزاع التي تحولت لساحة مواجهة؛ لقياس حجم النفوذ بين هؤلاء المتنازعين.

في النزاعات التي يخوضها أردوغان، تعد واحدة من أبرز أوراق القوة التي ينادي بها خصومه، هي عضوية بلاده في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، التي مر على انضمام بلاده لها نحو 68 عامًا، ورفعت من شأن أنقرة سياسيًّا ودبلوماسيًّا. في التقرير التالي، نحاول التعرف إلى كيف يناور أردوغان خصومه السياسيين من خلال هذه الورقة، وكيف يسعى لتعظيم مكاسب بلاده الدائمة في العضوية في حلف الناتو، والحد من الخسائر عبر تلك العضوية.

في ليبيا.. كيف نجح أردوغان في مناورة خصومه عبر عضوية الناتو؟

نجحت تركيا في الأيام الأخيرة في إحراز تقدم كبير في ليبيا، من خلال سيطرة حكومة الوفاق الليبية، المدعومة عسكريًّا ودبلوماسيًّا من جانب أنقرة، في عدد من المناطق الخاضعة لسيطرة قوات المشير خليفة حفتر، المدعوم إماراتيًّا ومصريًّا.

كان المظهر اللافت للتفوق التركي دبلوماسيًّا في الملف الليبي هو إعلان حلف الناتو عبر أمينه العام ينس ستولتنبرج، استعداده لدعم الحكومة الليبية برئاسة فائز السراج. وقال ستولتنبرج إنه «يجب على كافة الأطراف الليبية الالتزام بحظر استيراد السلاح، وهذا لا يعني وضع حفتر، وحكومة السراج في كفة واحدة، ولهذا السبب الناتو مستعد لدعم حكومة طرابلس».

سبق هذا الإعلان اتصال هاتفي بين ستولتنبرج مع فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق، تضمن «استعداد» الأول لمساعدة ليبيا في مجال بناء المؤسسات الدفاعية والأمنية، استجابة لطلب السراج. وتمتلك تركيا ثاني أكبر جيش بالناتو – من ناحية الحجم – بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وتُعد أكثر الأعضاء مساهمة في الصناديق الائتمانية المشتركة الخاصة بالحلف، كما تستضيف العديد من المقرات التابعة للناتو، أبرزها قيادة القوات البرية الموجودة في ولاية إزمير غربي تركيا، إلى جانب منظومة رادار تابعة للناتو.

على الأرجح استغلت تركيا هذا النفوذ داخل حلف الناتو بوصفها عضوًا دائمًا فيه، لعرقلة تجديد الحلف برنامج الشراكة الفردي مع أبوظبي، الأسابيع الماضية، إذ يغيب اسم الإمارات عن قائمة الدول الأعضاء ضمن برامج الشراكة الفردية على الموقع الرسمي لحلف الناتو، وهو ما يزيد من صحة المعلومات حول عدم تجديد برنامج الشراكة الفردية كعضو استراتيجي.

«لكن هل الفيتو التركي هو من يقف، فقط، وراء عدم تجديد برنامج التعاون؟» توضح شروط عضوية أي دولة للشراكة في برامج مُحددة بمدة زمنية وقابلة للتجديد مع الناتو، أن تقرير خبراء الأمم المتحدة الذي أدان الإمارات حول خرق تصدير السلاح لقوات خليفة حفتر، كان ربما أحد الأسباب الرئيسية لعدم التجديد المُرجح.

وكشف تقرير للجنة خبراء الأمم المتحدة عن انتهاك أبوظبي لحظر الأسلحة لليبيا، الذي تفرضه الأمم المتحدة على الدولة الواقعة في شمال أفريقيا، وهو ربما أحد الأسباب التي أدت لعدم تجديد برنامج الشراكة مع الضغط التركي. وذكر التقرير، الذي قُدمت نسخة منه لمجلس الأمن، أن نحو 37 رحلة جوية في أوائل يناير (كانون الثاني) كانت محملة بالأسلحة والذخائر، جرى تسييرها لدعم خليفة حفتر، عبر شركات مُسجلة في الإمارات، وكازاخستان، وجزر فيرجن البريطانية؛ لإخفاء تسليم المعدات العسكرية.

وانكشف انزعاج الناتو من ذلك حين ذكر الأمين العام للحلف في اتصاله مع السراج، قبل أيام، أنه: «كان من المهم أن تحترم جميع الأطراف حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة»، في إشارة لخرق الإمارات توريد الأسلحة لحفتر.

برنامج الشراكة الفردي بين الإمارات والناتو، الذي وقعه وزير الخارجية الإمارتي أنور قرقاش في 19 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، كان يُعزز المشاركة الثنائية عبر تعاون عملي من خلال قنوات للحوار الدائم، والتعاون العملي في العمليات والبعثات التي يقودها الناتو، وتعزيز التشغيل المتبادل، وإدارة الأزمات، والطوارئ المدنية، التخطيط وبناء القدرات ومكافحة الإرهاب، والتعليم والتدريب، بحسب ما ذكره موقع الناتو الرسمي.

كما تعمل برامج الشراكة هذه على تطوير مؤسسات وقوات الدفاع والأمن الخاصة بالدولة ذات العضوية المؤقتة، كحال الإمارات بالشراكة مع الناتو. ومن ثم فإن هذا التطور بشأن العضوية يُفقد الإمارات إحدى الأوراق الرابحة داخليًّا أو خارجيًّا في نزاعاتها بدول الشرق الأوسط. وانعكس هذا التفوق التركي في كسب تأييد موقف حلف الناتو ودول أعضائه في الأزمة الليبية، على التقارير المنشورة في الصحف الإماراتية، التي رأت أن «شعوب دول الناتو تفقد الثقة بالحلف، وأن تركيا تثير التوتر داخله». الأمر ذاته بالنسبة لتصريحات مسؤولين مصريين، كحال مصطفى الفقي، الدبلوماسي السابق، الذي قال في تصريحات تلفزيونية، إن «أردوغان يجد دعمًا من دول حلف الناتو لما يفعه في ليبيا فيما عدا فرنسا، كما أنه دخل بأجندة في ليبيا، وهناك تأييد أمريكي له».

يُفسر إيف بوايي، الباحث المتخصص في شؤون حلف شمال الأطلسي، هذا التأثير النافذ لأنقرة داخل حلف الناتو بعدة نقاط يعددها، قائلاً: «مكانة تركيا مهمة داخل الحلف، ديمغرافيًّا بداية؛ إذ تعد تركيا أكثر دول الحلف اكتظاظا بالسكان مباشرة بعد الولايات المتحدة حيث، يبلغ عدد سكانها 82 مليون نسمة، وتتحكم تركيا في عدد من المضائق المهمة. وهى الضامنة لاتفاقية مونترو الموقعة في عام 1936، التي تسمح بحرية الحركة في مضيق الدردنيل والبوسفور، وكذلك في البحر الأسود».

ليست المرة الأولى التي تناور تركيا فيها خصومها عبر «الناتو»

ساءت العلاقات بين تركيا ومصر بعد عام 2013، عقب إطاحة نظام محمد مرسي من السُلطة، تبعها قطع كامل للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين، واستمر التصعيد من جانب مسؤولي البلدين، على مستوى التصريحات والسياسات الخارجية، دون أن يكون هناك أي أفق لتجاوز هذا الجمود في العلاقات بين البلدين.

في الفترة الزمنية ذاتها، اتسمت العلاقات بين أنقرة وإسرائيل بتوتر غير مسبوق، شهدت تهديدًا متبادلًا من الطرفين، حاول كُل واحد منهما اتباع وسائل للضغط من أجل تمرير شروطه. ووسط حرب التصريحات الكلامية، كانت وسيلة تركيا للتأثير في نزاعها مع مصر وإسرائيل هي الضغط على حلف الناتو، وهي العضو الدائم فيه، من أجل إبعاد الدولتين من المُشاركة في التدريبات العسكرية لحلف الناتو، والضغط من أجل أن يكون أي قرار بحق الدول خارج الحلف جماعيًّا، لضمان حقها في عرقلة أي قرار بحق كلتا الدولتين.

بحسب وثائق عسكرية تركية مُسربة، فقد اتبعت تركيا نهجًا سياسيًّا لاستبعاد مصر وإسرائيل من الأنشطة العسكرية الرئيسية لحلف شمال الأطلسي، بما في ذلك التدريبات المشتركة في عام 2015، في إطار منصة الحوار المتوسطي، ومبادرة الحوار المتوسطي التي تأسست قبل 24 عامًا، شملت دول الأعضاء في الحلف إلى جانب كل من الجزائر، ومصر، وإسرائيل، والأردن، وموريتانيا، والمغرب وتونس.

وتكشف المذكرة العسكرية، التي أصدرتها هيئة الأركان العامة التركية، في ديسمبر (كانون الأول) 2015، عن تمسُّكْ تركيٍّ بأن تكون هناك قرارات وسلطة لمجلس شمال الأطلسي حول الدول المشاركة في مبادرة الحوار المتوسطي، من أجل الحد من المشاركة الإسرائيلية والمصرية في هذه الانشطة.
وكشفت الوثائق العسكرية عن استراتيجية تركيا لعزل إسرائيل عن التدريبات العسكرية لحلف شمال الأطلسي، التي أجريت في إطار مبادرة العضو المنتدب؛ ولهذا طلبت أنقرة أن تكون المناورات العسكرية مفتوحة فقط للدول الشريكة للناتو، بعد موافقة اللجنة العسكرية للناتو (MC)، وقرار هيئة صنع القرار في الناتو (NAC)، والسماح للدول المُشاركة بحضور التدريبات المشتركة كدول مراقبة فقط.
ونجحت تركيا بالتعاون مع دول أخرى في عرقلة تطبيق أي شراكة طموحة في المنطقة بين دول مُشاركة مع الناتو، وتعطيل أنشطته الأخيرة غير المنسجمة مع استراتيجية أنقرة في المنطقة، أو مُساومة الدول الأعضاء على الموافقة على بعض المواقف.
وقع ذلك العام الماضي حين رفعت تركيا الفيتو على خطط الطوارئ، التي وضعها الحلف للدفاع عن البلطيق وبولندا، مهددة بمنع حلف شمال الأطلسي من مساعدة الأوروبيين الشرقيين، ما لم يرضخ التحالف لمطلب ظلَّت تركيا تنادي به منذ فترة طويلة، وهو اعتبار وحدات حماية الشعب الكردية في شمال شرقي سورية «منظمة إرهابية»، بحسبها.

وتدافع تركيا عن سياساتها تجاه الناتو دومّا عبر تأكيد أن «حلف الأطلسي مؤسسة تتمتع فيها تركيا بكامل حقوق النقض، سياسيًّا وعسكريًّا، وهناك إجراءات قائمة. كما أنه لا يوجد شيء اسمه ابتزاز تركي». وبحسب تصريحات لإيف بوايي، الباحث المتخصص في شؤون حلف شمال الأطلسي، لموقع فرانس 24، فأهمية الحلف عسكريًّا لتركيا يتمثل في أنه يوفر لها حماية مؤكدة. كما يستطيع العسكريون الأتراك الاضطلاع بمناصب قيادية في الحلف. ويمكن للجيش التركي أن يستفيد من أساليب وتوجيهات الناتو الحديثة والفعالة، التي تساهم فيها الولايات المتحدة بشكل مهم.

ولهذه الحماية مشروعية قانونية، إذ تُلزم المادة الخامسة في المعاهدة المؤسسة للحلف، كافة الأعضاء برد أي هجوم على أي دولة من دول الأعضاء الثلاثين. وتوضح أن «أي هجوم مسلح على أي دولة عضو أو أكثر من أعضاء الحلف في أوروبا أو أمريكا الشمالية، يُعد هجومًا على سائر الدول الأعضاء، وتبعًا لذلك، فإن هذه الدول توافق على أنه في حالة وقوع مثل هذا الهجوم، فإن كل واحدة منها، في ممارستها لحقها الفردي أو الجماعي في الدفاع عن النفس، والذي اعترفت به المادة الحادية والخمسون من ميثاق الأمم المتحدة، سوف تساعد الطرف أو الأطراف التي تعرضت لمثل هذا الهجوم، وذلك بأن تبادر على الفور، سواء بصفة فردية أو بالتنسيق مع الأطراف الأخرى، إلى اتخاذ الإجراءات التي تراها ضرورية، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة، بهدف استعادة أمن منطقة شمالي الأطلسي والحفاظ عليه».

ولعل هذه المادة تُفسر كثيرًا من الحضور التركي النافذ في كثير من الملفات المهمة، كحال الملف الليبي، وتجعل من خصومه الدوليين من الدول غير الأعضاء، أكثر حذرًا من أي مواجهة عسكرية محتملة مع أسطنبول.

المصدر/ ساسة بوست

اجمالى القراءات 62,471 , القراءات اليوم 717